الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى الم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 27 ] سورة السجدة

مكية [إلا من آية 16 إلى غاية آية 20 فمدنية ] وآياتها 30 وقيل 29 [نزلت بعد المؤمنون ]

بسم الله الرحمن الرحيم

الم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين أم يقولون افتراه بل هو الحق من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يهتدون

"الم " على أنها اسم السورة مبتدأ خبره تنزيل الكتاب وإن جعلتها تعديدا للحروف ارتفع تنزيل الكتاب بأنه خبر مبتدأ محذوف : أو هو مبتدأ خبره لا ريب فيه والوجه أن يرتفع بالابتداء ، وخبره من رب العالمين و لا ريب فيه : اعتراض لا محل له . والضمير في "فيه " راجع إلى مضمون الجملة ، كأنه قيل : لا ريب في ذلك ، أي : في كونه منزلا من رب العالمين ويشهد لوجاهته قوله أم يقولون افتراه ; لأن قولهم : هذا مفترى ، إنكار لأن يكون من رب العالمين ، وكذلك قوله : بل هو الحق من ربك وما فيه من تقدير أنه من الله ، وهذا أسلوب صحيح محكم : أثبت أولا أن تنزيله من رب العالمين ، وأن ذلك ما لا ريب فيه ، ثم أضرب عن ذلك إلى قوله : أم يقولون افتراه لأن "أم " هي المنقطعة الكائنة بمعنى : بل والهمزة ، إنكارا لقولهم وتعجيبا منه لظهور أمره : في عجز بلغائهم عن مثل ثلاث آيات منه ، ثم أضرب عن الإنكار إلى إثبات أنه الحق من ربك . ونظيره أن يعلل العالم في المسألة بعلة صحيحة جامعة ، قد احترز فيها أنواع الاحتراز ، كقول المتكلمين : النظر أول الأفعال الواجبة على الإطلاق التي لا يعرى عن وجوبها مكلف ، ثم يعترض عليه فيها ببعض ما وقع احترازه منه ، فيرده بتلخيص أنه احترز من ذلك ، ثم يعود إلى تقرير كلامه وتمشيته . فإن قلت : كيف نفى أن يرتاب في أنه من الله ، وقد أثبت ما هو أطم من الريب ، وهو قولهم : "افتراه " ؟ قلت : معنى لا ريب فيه أن لا مدخل للريب في أنه تنزيل الله ; لأن نافى الريب ومميطه معه لا ينفك عنه وهو كونه معجزا للبشر ، ومثله أبعد شيء من الريب . وأما قولهم : "افتراه " فإما قول متعنت مع علمه أنه من الله لظهور الإعجاز له ، أو جاهل يقوله قبل التأميل والنظر لأنه سمع الناس يقولونه : ما أتاهم من نذير من قبلك كقوله : ما أنذر آباؤهم ، وذلك أن قريشا لم يبعث الله [ ص: 28 ] إليهم رسولا قبل محمد صلى الله عليه وسلم . فإن قلت : فإذا لم يأتهم نذير لم تقم عليهم حجة . قلت : أما قيام الحجة بالشرائع التي لا يدرك علمها إلا بالرسل فلا ، وأما قيامها بمعرفة الله وتوحيده وحكمته فنعم ; لأن أدلة العقل الموصلة إلى ذلك معهم في كل زمان لعلهم يهتدون فيه وجهان : أن يكون على الترجي من رسول الله -صلى الله عليه وسلم - كما كان لعله يتذكر على الترجي من موسى وهارون عليهما السلام ، وأن يستعار لفظ الترجي للإرادة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث