الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون

جزء التالي صفحة
السابق

أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى نزلا بما كانوا يعملون وأما الذين فسقوا فمأواهم النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون

كان مؤمنا و كان فاسقا محمولان على لفظ من و لا يستوون محمول على المعنى ، بدليل قوله تعالى : أما الذين آمنوا . . . . وأما الذين فسقوا ونحوه قوله تعالى : ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك [محمد : 16 ] . و جنات المأوى نوع من الجنان . [ ص: 36 ] قال الله تعالى : ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى سميت بذلك لما روي عن ابن عباس -رضي الله عنه - قال : تأوي إليها أرواح الشهداء . وقيل : هي عن يمين العرش . وقرئ : (جنة المأوى ) ، على التوحيد "نزلا " عطاء بأعمالهم . والنزل : عطاء النازل ، ثم صار عاما فمأواهم النار أي : ملجؤهم ومنزلهم . ويجوز أن يراد : فجنة مأواهم النار ، أي : النار لهم ، مكان جنة المأوى للمؤمنين ; كقوله : فبشرهم بعذاب أليم . العذاب الأدنى عذاب الدنيا من القتل والأسر ، وما محنوا به من السنة سبع سنين . وعن مجاهد -رضي الله عنه - : عذاب القبر . العذاب الأكبر عذاب الآخرة ، أي : نذيقهم عذاب الدنيا قبل أن يصلوا إلى الآخرة لعلهم يرجعون أي : يتوبون عن الكفر ، أو لعلهم يريدون الرجوع ويطلبونه ، كقوله تعالى : فارجعنا نعمل صالحا وسميت إرادة الرجوع رجوعا ، كما سميت إرادة القيام قياما في قوله تعالى : إذا قمتم إلى الصلاة ويدل عليه قراءة من قرأ : (يرجعون ) ، على البناء للمفعول . فإن قلت : من أين صح تفسير الرجوع بالتوبة ؟ و "لعل " من الله إرادة ، وإذا أراد الله شيئا كان ولم يمتنع ، وتوبتهم مما لا يكون ، ألا ترى أنها لو كانت مما يكون لم يكونوا ذائقين العذاب الأكبر ؟ قلت : إرادة الله تتعلق بأفعاله وأفعال عباده ، فإذا أراد شيئا من أفعاله كان ولم يمتنع ، للاقتدار وخلوص الداعي . وأما أفعال عباده : فإما أن يريدها وهم مختارون لها ، أو مضطرون إليها بقسره وإلجائه ، فإن أرادها وقد قسرهم عليها فحكمها حكم أفعاله ، وإن أرادها على أن يختاروها وهو عالم أنهم لا يختارونها لم يقدح ذلك في اقتداره ، كما لا يقدح في اقتدارك إرادتك أن يختار عبدك طاعتك وهو لا يختارها ; لأن اختياره لا يتعلق [ ص: 37 ] بقدرتك ، وإذا لم يتعلق بقدرتك لم يكن فقده دالا على عجزك . وروي في نزولها : أنه شجر بين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه - والوليد بن عقبة بن أبي معيط يوم بدر كلام ، فقال له الوليد : اسكت فإنك صبي : أنا أشب منك شبابا ، وأجلد منك جلدا ، وأذرب منك لسانا ، وأحد منك سنانا ، وأشجع منك جنانا ، وأملأ منك حشوا في الكتيبة . فقال له علي -رضي الله عنه - : اسكت ، فإنك فاسق ، فنزلت عامة للمؤمنين والفاسقين . فتناولتهما وكل من كان في مثل حالهما . وعن الحسن بن علي -رضي الله عنهما - : أنه قال للوليد : كيف تشتم عليا وقد سماه الله مؤمنا في عشر آيات ، وسماك فاسقا ؟

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث