الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

سورة الملائكة

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 136 ] سورة الملائكة

مكية ، وهي خمس وأربعون آية

[نزلت بعد الفرقان ]

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير

فاطر السماوات مبتدئها ومبتدعها . وعن مجاهد عن ابن عباس -رضي الله عنهما - : ما كنت أدري ما فاطر السماوات والأرض ، حتى اختصم إلي أعرابيان في بئر فقال أحدهما : أنا فطرتها ، أي ابتدأتها . وقرئ : الذي فطر السماوات والأرض وجعل الملائكة . وقرئ : جاعل الملائكة ، بالرفع على المدح "رسلا " بضم السين وسكونها أولي أجنحة أصحاب أجنحة ، وأولو : اسم جمع لذو ، كما أن أولاء اسم جمع لذا ، ونظيرهما في المتمكنة : المخاض والخلفة مثنى وثلاث ورباع صفات الأجنحة ، وإنما لم تنصرف لتكرر العدل فيها ، وذلك أنها عدلت عن ألفاظ الأعداد عن صيغ إلى صيغ أخر ، كما عدل عمر عن عامر ، وحذام عن حاذمة ، وعن تكرير إلى غير تكرير ، وأما الوصفية فلا يفترق الحال فيما بين المعدولة والمعدول عنها . ألا تراك تقول : مررت بنسوة أربع ، وبرجال ثلاثة ، فلا يعرج عليها ، والمعنى : أن الملائكة خلقا أجنحتهم اثنان اثنان ، أي : لكل واحد منهم جناحان ، وخلقا أجنحتهم ثلاثة ثلاثة ، وخلقا أجنحتهم أربعة أربعة يزيد في الخلق ما يشاء أي : يزيد في خلق الأجنحة ، وفى غيره ما تقتضيه مشيئته وحكمته . والأصل الجناحان ; لأنهما بمنزلة اليدين ، ثم الثالث والرابع زيادة على الأصل ، وذلك أقوى للطيران وأعون عليه . فإن قلت : قياس الشفع من الأجنحة أن يكون في كل شق نصفه ، فما صورة الثلاثة ؟ قلت : لعل الثالث يكون في وسط الظهر بين الجناحين يمدهما بقوة . أو لعله لغير الطيران ، فقد مر في بعض الكتب أن صنفا من الملائكة لهم ستة أجنحة [ ص: 137 ] فجناحان يلفون بها أجسادهم ، وجناحان يطيران بهما في الأمر من أمور الله ، وجناحان مرخيان على وجوههم حياء من الله . وعن رسول الله -صلى الله عليه وسلم - : "أنه رأى جبريل عليه السلام ليلة المعراج وله ستمائة جناح " . وروي : أنه سأل جبريل عليه السلام أن يتراءى له في صورته فقال : إنك لن تطيق ذلك . قال : "إني أحب أن تفعل فخرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم - في ليلة مقمرة ، فأتاه جبريل في صورته فغشي على النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم أفاق وجبريل عليه السلام مسنده وإحدى يديه على صدره والأخرى بين كتفيه ، فقال : سبحان الله ! ما كنت أرى أن شيئا من الخلق هكذا ، فقال جبريل : فكيف لو رأيت إسرافيل له اثنا عشر جناحا جناح منها بالمشرق ، وجناح بالمغرب ، وإن العرش على كاهله ، وإنه ليتضاءل الأحايين لعظمة الله حتى يعود مثل الوصع " وهو العصفور الصغير . وروي عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم - في قوله تعالى : يزيد في الخلق ما يشاء : "هو الوجه الحسن ، والصوت الحسن ، والشعر الحسن " وقيل : "الحظ الحسن " ، وعن قتادة : الملاحة في العينين . والآية مطلقة تتناول كل زيادة في الخلق : من طول قامة ، واعتدال صورة ، وتمام في الأعضاء ، وقوة في البطش ، وحصافة في العقل ، وجزالة في الرأي ، وجراءة في القلب ، وسماحة في النفس ، وذلاقة في اللسان ولباقة في التكلم ، وحسن تأن في مزاولة الأمور ، وما أشبه ذلك مما لا يحيط به الوصف .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث