الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 122 ] باب الوضوء سئل رحمه الله عن مسح الرأس في الوضوء : من العلماء من أوجب جميع الرأس ومنهم من أوجب ربع الرأس ومنهم من قال : بعض شعره يجزئ : فما ينبغي أن يكون الصحيح من ذلك ؟ بينوا لنا ذلك .

التالي السابق


فأجاب : الحمد لله . اتفق الأئمة كلهم على أن السنة مسح جميع الرأس كما ثبت في الأحاديث الصحيحة والحسنة عن النبي صلى الله عليه وسلم فإن الذين نقلوا وضوءه لم ينقل عنه أحد منهم أنه اقتصر على مسح بعض رأسه وما يذكره بعض الفقهاء - كالقدوري في أول مختصره وغيره - أنه توضأ ومسح على ناصيته : إنما هو بعض الحديث الذي في الصحيح من حديث المغيرة بن شعبة : { أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ عام تبوك ومسح على ناصيته } .

ولهذا ذهب طائفة من العلماء إلى جواز مسح بعض الرأس وهو [ ص: 123 ] مذهب أبي حنيفة والشافعي وقول في مذهب مالك وأحمد . وذهب آخرون إلى وجوب مسح جميعه وهو المشهور من مذهب مالك وأحمد وهذا القول هو الصحيح فإن القرآن ليس فيه ما يدل على جواز مسح بعض الرأس فإن قوله تعالى وامسحوا برءوسكم وأرجلكم نظير قوله : { فامسحوا بوجوهكم وأيديكم } لفظ المسح في الآيتين وحرف الباء في الآيتين : فإذا كانت آية التيمم لا تدل على مسح البعض مع أنه بدل عن الوضوء وهو مسح بالتراب لا يشرع فيه تكرار : فكيف تدل على ذلك آية الوضوء مع كون الوضوء هو الأصل والمسح فيه بالماء المشروع فيه التكرار ؟ هذا لا يقوله من يعقل ما يقول .

ومن ظن أن من قال بإجزاء البعض لأن الباء للتبعيض أو دالة على القدر المشترك : فهو خطأ أخطأه على الأئمة وعلى اللغة وعلى دلالة القرآن . والباء للإلصاق وهي لا تدخل إلا لفائدة : فإذا دخلت على فعل يتعدى بنفسه أفادت قدرا زائدا كما في قوله : { عينا يشرب بها عباد الله } فإنه لو قيل : يشرب منها لم تدل على الري فضمن يشرب معنى يروى فقيل : { يشرب بها } فأفاد ذلك أنه شرب يحصل معه الري .

وباب تضمين الفعل معنى فعل آخر حتى يتعدى بتعديته - كقوله : { لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه } وقوله { ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا } وقوله : { واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك } وأمثال ذلك - كثير في القرآن وهو يغني عند البصريين من النحاة عما يتكلفه الكوفيون من دعوى الاشتراك في الحروف .

وكذلك المسح في الوضوء والتيمم لو قال : فامسحوا رءوسكم أو وجوهكم : لم تدل على ما يلتصق بالمسح فإنك تقول : مسحت رأس فلان وإن لم يكن بيدك بلل . فإذا قيل : فامسحوا برءوسكم وبوجوهكم ضمن المسح معنى الإلصاق فأفاد أنكم تلصقون برءوسكم وبوجوهكم شيئا بهذا المسح وهذا يفيد في آية التيمم أنه لا بد أن يلتصق الصعيد بالوجه واليد ولهذا قال : { فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه } . وإنما مأخذ من جوز البعض : الحديث .

ثم تنازعوا : فمنهم من قال : يجزئ قدر الناصية كرواية عن أحمد وقول بعض الحنفية . ومنهم من قال : يجزئ الأكثر . كرواية عن أحمد وقول بعض المالكية . ومنهم من قال : يجزئ الربع . ومنهم من قال : قدر ثلاث أصابع . وهما قولان للحنفية . ومنهم من قال : ثلاث شعرات أو بعضها . ومنهم من قال : شعرة أو بعضها . وهما قولان للشافعية .

وأما الذين أوجبوا الاستيعاب - كمالك وأحمد في المشهور من [ ص: 125 ] مذهبهما - فحجتهم ظاهر القرآن . وإذا سلم لهم منازعوهم وجوب الاستيعاب في مسح التيمم : كان في مسح الوضوء أولى وأحرى لفظا ومعنى ولا يقال : التيمم وجب فيه الاستيعاب لأنه بدل عن غسل الوجه واستيعابه واجب ; لأن البدل إنما يقوم مقام المبدل في حكمه لا في وصفه ; ولهذا المسح على الخفين بدل عن غسل الرجلين ولا يجب فيه الاستيعاب مع وجوبه في الرجلين وأيضا للسنة المستفيضة من عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وأما حديث المغيرة بن شعبة فعند أحمد وغيره من فقهاء الحديث يجوز المسح على العمامة للأحاديث الصحيحة الثابتة في ذلك وإذا مسح عنده بناصيته وكمل الباقي بعمامته أجزأه ذلك عنده بلا ريب .

وأما مالك فلا جواب له عن الحديث إلا أن يحمله على أنه كان معذورا لا يمكنه كشف الرأس فتيمم على العمامة للعذر . ومن فعل ما جاءت به السنة من المسح بناصيته وعمامته أجزأه مع العذر بلا نزاع وأجزأه بدون العذر عند الثلاثة ومسح الرأس مرة مرة يكفي بالاتفاق كما يكفي تطهير سائر الأعضاء مرة .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث