الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

سورة الزمر

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 286 ] سورة الزمر

مكية، إلا قوله: قل يا عبادي الذين أسرفوا .... الآية،

وتسمى سور الغرف، وهي خمس وسبعون آية. وقيل: ثنتان وسبعون آية

[نزلت بعد سورة سبأ]

بسم الله الرحمن الرحيم

تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين ألا لله الدين الخالص والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه هو الله الواحد القهار

تنزيل الكتاب قرئ: بالرفع على أنه مبتدأ أخبر عنه بالظرف، أو خبر مبتدأ محذوف والجار صلة التنزيل، كما تقول: نزل من عند الله، أو غير صلة، كقولك: هذا الكتاب من فلان إلى فلان، فهو على هذا خبر بعد خبر، أو خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هذا تنزيل الكتاب، هذا من الله، أو حال من التنزيل عمل فيها معنى الإشارة، وبالنصب على إضمار فعل، نحو: اقرأ، والزم. فإن قلت: ما المراد بالكتاب؟ قلت: الظاهر على الوجه الأول أنه القرآن، وعلى الثاني: أنه السورة. مخلصا له الدين ممحضا له الدين من الشرك والرياء بالتوحيد وتصفية السر. وقرئ: (الدين) بالرفع. وحق من رفعه أن يقرأ مخلصا -بفتح اللام- كقوله تعالى: وأخلصوا دينهم لله [النساء: 146] حتى يطابق قوله: ألا لله الدين الخالص والخالص والمخلص: واحد، إلا أن يصف الدين بصفة صاحبه على الإسناد المجازي، كقولهم: شعر شاعر، وأما من جعل "مخلصا" حالا من العابد، و له الدين مبتدأ وخبرا، فقد جاء بإعراب رجع به الكلام إلى قولك: لله الدين ألا لله الدين الخالص أي: هو الذي وجب اختصاصه بأن يخلص له الطاعة من كل شائبة كدر; لاطلاعه على الغيوب والأسرار، ولأنه الحقيق بذلك; لخلوص نعمته عن استجرار المنفعة [ ص: 287 ] بها. وعن قتادة : الدين الخالص شهادة أن لا إله إلا الله. وعن الحسن: الإسلام. والذين اتخذوا يحتمل المتخذين وهم الكفرة، والمتخذين وهم الملائكة وعيسى واللات والعزى، عن ابن عباس رضي الله عنهما، فالضمير في "اتخذوا" على الأول راجع إلى الذين، وعلى الثاني إلى المشركين، ولم يجر ذكرهم لكونه مفهوما، والراجع إلى الذين محذوف، والمعنى: والذين اتخذهم المشركون أولياء، والذين اتخذوا في موضع الرفع على الابتداء. فإن قلت: فالخبر ما هو؟ قلت: هو على الأول إما إن الله يحكم بينهم أو ما أضمر من القول قبل قوله: ما نعبدهم . وعلى الثاني: أن الله يحكم بينهم. فإن قلت: فإذا كان إن الله يحكم بينهم الخبر، فما موضع القول المضمر؟ قلت: يجوز أن يكون في موضع الحال، أي: قائلين ذلك. ويجوز أن يكون بدلا من الصلة فلا يكون له محل، كما أن المبدل منه كذلك. وقرأ ابن مسعود بإظهار القول: (قالوا ما نعبدهم) وفى قراءة أبي: (ما نعبدكم إلا لتقربونا) على الخطاب، حكاية لما خاطبوا به آلهتهم. وقرئ: (نعبدهم) بضم النون اتباعا للعين كما تتبعها الهمزة في الأمر، والتنوين في وعذاب اركض [ص: 41- 42] والضمير في "بينهم" لهم ولأوليائهم. والمعنى: أن الله يحكم بينهم بأنه يدخل الملائكة وعيسى الجنة، ويدخلهم النار مع الحجارة التي نحتوها وعبدوها من دون الله يعذبهم بها; حيث يجعلهم وإياها حصب جهنم. واختلافهم: أن الذين يعبدون موحدون وهم مشركون، وأولئك يعادونهم ويلعنونهم، وهم يرجون شفاعتهم وتقريبهم إلى الله زلفي. وقيل: كان المسلمون إذا قالوا لهم: من خلق السماوات والأرض؟ أقروا وقالوا: الله، فإذا قالوا لهم: فما لكم تعبدون الأصنام؟ قالوا: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفي، فالضمير في "بينهم" عائد إليهم وإلى المسلمين. والمعنى: إن الله يحكم يوم القيامة بين المتنازعين من الفريقين، والمراد بمنع الهداية: منع اللطف تسجيلا عليهم بأن لا لطف لهم، وأنهم في علم الله من الهالكين. وقرئ: (كذاب وكذوب)، وكذبهم: قولهم في بعض من اتخذوا من دون الله أولياء: بنات الله; ولذلك عقبه محتجا عليهم بقوله: لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء يعني: لو أراد اتخاذ الولد لامتنع ولم يصح، لكونه محالا ولم يتأت إلا أن يصطفى من خلقه بعضه ويختصمهم ويقربهم، كما يختص الرجل ولده ويقربه. وقد فعل [ ص: 288 ] ذلك بالملائكة فافتتنتم به وغركم اختصاصه إياهم، فزعمتم أنهم أولاده، جهلا منكم به وبحقيقته المخالفة لحقائق الأجسام والأعراض، كأنه قال: لو أراد اتخاذ الولد لم يزد على ما فعل من اصطفاء ما يشاء من خلقه وهم الملائكة، إلا أنكم لجهلكم به حسبتم اصطفاءهم اتخاذهم أولادا، ثم تماديتم في جهلكم وسفهكم فجعلتموهم بنات، فكنتم كذابين كفارين متبالغين في الافتراء على الله وملائكته، غالبين في الكفر، ثم قال: "سبحانه" فنزه ذاته عن أن يكون له أحد ما نسبوا إليه من الأولاد والأولياء، ودل على ذلك بما ينافيه، وهو أنه واحد، فلا يجوز أن يكون له صاحبة; لأنه لو كانت له صاحبة لكانت من جنسه ولا جنس له; وإذا لم يتأت أن يكون له صاحبة لم يتأت أن يكون له ولد، وهو معنى قوله: أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة [الأنعام: 101]. وقهار: غلاب لكل شيء، ومن الأشياء آلهتهم، فهو يغلبهم، فكيف يكونون له أولياء وشركاء؟.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث