الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


باب اجتناب النجاسة ( وهي ) أي النجاسة لغة : ضد الطهارة وشرعا ( عين ) كالميتة والدم ( أو صفة ) كأثر بول بمحل طاهر ( منع الشرع منها بلا ضرورة ، لا لأذى فيها طبعا ) احترازا عن نحو السميات من النبات ، فإنه ممنوع مما يضر منها في بدن أو عقل لأذاها و ( لا لحق الله تعالى ) احترازا عن صيد الحرم ، أو عن صيد البر للمحرم ( أو ) لحق ( غيره شرعا ) احترازا عن مال الغير بغير إذنه ، فيحرم تناوله لمنع الشرع منه لحق مالكه

زاد بعضهم : ولا لحرمتها ، احترازا عن ميتة الآدمي ولا لاستقذارها ، احترازا عن نحو مني ومخاط ( حيث لم يعف عنها ) متعلق باجتناب ( بدن مصل ) منصوب باجتناب ( وثوبه وبقعتهما ) معطوف على بدن ( وعدم حملها ) عطف على اجتناب النجاسة وهو مبتدأ ، خبره وما عطف عليه : قوله ( شرط للصلاة ) لقوله تعالى : { وثيابك فطهر والرجز فاهجر } وقوله صلى الله عليه وسلم { تنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه } وقوله وقد سئل عن دم الحيض يكون في الثوب { اقرصيه وصلي فيه } رواه أبو داود من حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما { وأمره صلى الله عليه وسلم بصب ذنوب من ماء على بول الأعرابي ، إذ بال في طائفة المسجد } ولا يجب ذلك في غير الصلاة ، فتعين أن يكون شرطا فيها ،

والأمر بالشيء نهي عن ضده . والنهي عنه في العبادات يقتضي الفساد ( فتصح ) الصلاة ( من حامل مستجمرا ) لأن أثر الاستجمار معفو عنه في محله ( أو ) من حامل ( حيوانا طاهرا ) كالهر ، لأن ما به من نجاسة في معدتها فهي كالنجاسة في جوف المصلي و { صلى النبي صلى الله عليه وسلم حاملا أمامة بنت زينب } ( و ) تصح ( ممن مس ثوبه ثوبا ) نجسا ( أو حائطا نجسا لم يستند إليه ) لأنه ليس محلا لثوبه ولا بدنه .

فإن استند إليه فسدت صلاته لأنه يصير كالبقعة له ( أو ) أي وتصح ممن ( قابلها ) أي النجاسة ( راكعا أو ساجدا ولم يلاقها ) لأنه ليس بموضع لصلاته ولا محمولا فيها . وكذا لو كانت بين [ ص: 162 ] رجليه ولم يصبها ، فإن لاقاها بطلت صلاته ( أو صلى على محل طاهر من ) حصير أو بساط ( متنجس طرفه ) فتصح ( ولو تحرك ) المتنجس ( بحركته من غير متعلق ينجر به ) وكذا لو كان تحت قدمه حبل طاهر مشدود في نجاسة . لأنه ليس بحامل للنجاسة ولا مصل عليها ، أشبه ما لو صلى على أرض طاهرة متصلة بأرض نجسة ،

فإن كان النجس متعلقا بالمصلي بحيث ينجر معه إذا مشى ، كما لو كان بيده أو وسطه حبل مشدود في نجاسة ، أو حيوان نجس أو سفينة صغيرة فيها نجاسة بحيث تنجر معه إذا مشى لم تصح صلاته ; لأنه متتبع للنجاسة . أشبه ما لو كان حاملها ، فإن كانت السفينة كبيرة ، أو الحيوان كبيرا ، لا يقدر على جره إذا استعصى عليه صحت ; لأنه ليس بمتبع لها .

قال في الفروع : فظاهر كلامهم : أن ما لا ينجر تصح لو انجر ، ولعل المراد خلافه وهو أولى . ولو كان بيده حبل طرفه على نجاسة يابسة . فمقتضى كلام الموفق : الصحة .

وفي الإقناع : لا تصح ( أو سقطت عليه ) نجاسة ( فزالت ) سريعا ( أو أزالها سريعا ) فتصح صلاته . لحديث أبي سعيد { فبينما النبي صلى الله عليه وسلم يصلي بأصحابه إذ خلع نعليه فوضعهما عن يساره ، فخلع الناس نعالهم . فلما قضى صلاته ، قال : ما حملكم على إلقاء نعالكم ؟ قالوا : رأيناك ألقيت نعلك فألقينا نعالنا ، قال : إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيها قذرا } رواه أبو داود ، ولأن من النجاسة ما يعفى عن يسيرها

فعفي عن يسير زمنها . ككشف العورة و ( لا ) تصح صلاته ( إن عجز عن إزالتها ) أي النجاسة ( عنه ) سريعا ، لإفضائه إلى استصحاب النجاسة في الصلاة زمنا طويلا . أو لعمل كثير . إن أخذ يطهرها ( أو نسيها ) أي النجاسة ( أو جهل عينها ) بأن أصابه شيء لا يعلمه طاهرا أو نجسا ، ثم علم نجاسته ( أو ) جهل ( حكمها ) بأن لم يعلم أن إزالتها شرط للصلاة ( أو ) جهل ( أنها كانت في الصلاة ثم علم ) تصح صلاته في هذه الصور ونحوها ، لأن اجتناب النجاسة شرط للصلاة ، فلم يسقط بالنسيان ولا بالجهل ، كطهارة الحدث وعنه : تصح صلاته إذا نسي ، أو جهل النجاسة .

قال في الإنصاف : وهي الصحيحة عند أكثر المتأخرين ( أو حمل قارورة ) باطنها نجس وصلى ، لم تصح صلاته ( أو ) حمل ( آجرة ) واحدة الآجر ، وهو الطوب المشوي ( باطنها نجس أو ) حمل ( بيضة فيها فرخ ميت ، أو ) حمل بيضة ( مذرة ، أو ) [ ص: 163 ] ( عنقودا ) من عنب ( حباته مستحيلة خمرا ) لم تصح صلاته لحمله نجاسة في غير معدتها أشبه ما لو حملها في كمه .

( وإن طين ) أرضا ( نجسة ) وصلى عليها ( أو بسط عليها ) أي على أرض نجسة طاهرا صفيقا أو رطبة ولم تنفذ إلى ظاهره ( أو ) بسط ( على حيوان نجس ) طاهرا صفيقا ( أو ) بسط على ( حرير طاهرا صفيقا ) لا خفيفا أو مهلهلا ( أو غسل وجه آجر وصلى عليه ، أو صلى على بساط باطنه فقط نجس ) وظاهره الذي صلى عليه طاهر ( أو ) صلى على ( علو سفله غصب ، أو ) صلى على ( سرير تحته نجس كرهت ) صلاته ، لاعتماده على ما لا تصح عليه ( وصحت ) لأنه ليس حاملا للنجاسة ولا مباشرا لما لا تصح عليه .

( وإن خيط جرح أو جبر عظم ) من آدمي ( ب ) خيط ( نجس أو عظم نجس فصح ) الجرح أو العظم ( لم تجب إزالته ) أي النجس منهما ( مع ) خوف ( ضرر ) على نفس أو عضو أو حصول مرض ; لأن حراسة النفس وأطرافها واجب وأهم من رعاية شرط الصلاة ولهذا لا يلزمه شراء ماء ولا سترة بزيادة كثيرة على ثمن المثل ، وإذا جاز ترك شرط مجمع عليه لحفظ ماله ، فترك شرط مختلف فيه لحفظ بدنه أولى ،

فإن لم يخف ضررا لزمه ( و ) حيث لم تجب إزالته ( لا يتيمم له ) أي الخيط أو العظم النجس ( إن غطاه اللحم ) لإمكان الطهارة بالماء في جميع محلها ، فإن لم يغطه اللحم تيمم له لعدم إمكان غسله ( ومتى وجبت ) إزالته ( فمات ) قبل إزالته ( أزيل ) وجوبا لقيام من يليه مقامه ( إلا مع المثلة ) بإزالته فتسقط للضرر بها ، كالحي ( ولا يلزم شارب خمر قيء ) للخمر ، لأنه وصل إلى محل يستوي فيه الطاهر والنجس .

وكذا سائر النجاسات تحصل بالجوف ( وإن أعيدت سن ) آدمي قلعت ( أو ) أعيدت ( أذن ) منه قطعت ( أو ) أعيد ( نحوهما ) من أعضائه فأعادها بحرارتها ( فثبتت ) أو لم تثبت ( ف ) هي ( طاهرة ) لأنها جزء من جملة ، فحكمهما حكمه . وتقدم : ما أبين من حي كميتته .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث