الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


باب استقبال القبلة شرط للصلاة لقوله تعالى : { وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره } قال علي : شطره قبله . ولقوله صلى الله عليه وسلم { إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ، ثم استقبل القبلة } ولحديث ابن عمر في أهل قباء لما حولت القبلة متفق عليه . وأصل القبلة لغة : الحالة التي يقابل الشيء غيره عليها ، كالجلسة ثم صارت كالعلم للجهة التي يستقبلها المصلي لإقبال الناس عليها ،

{ وصلى النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس بالمدينة نحو سبعة عشر شهرا } اختلف في صلاته قبل الهجرة ، وقد ذكرت بعضه في شرح الإقناع ( مع القدرة ) عليه ، فإن عجز عنه كالمربوط والمصلوب إلى غير القبلة والعاجز عن الالتفات للقبلة ، لمرض أو منع مشرك ونحوه عند التحام حرب ، أو هرب من عدو ، أو سيل أو سبع ونحوه سقط الاستقبال وصلى على حاله لحديث { إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم } ( إلا في نفل مسافر

ولو ) كان [ ص: 168 ] ( ماشيا ) فيصلي لجهة سيره على ما يأتي تفصيله للخبر في الراكب ويأتي . وألحق به الماشي ، لمساواته له في خسوف الانقطاع عن القافلة في السفر ( سفرا مباحا ) أي غير مكروه ولا محرم . لأن نفله كذلك رخصة ، وهي لا تناط بالمعاصي ( ولو ) كان السفر ( قصيرا ) نص عليه ، فيما دون فرسخ لقوله تعالى : { ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله } قال ابن عمر " نزلت في التطوع خاصة " ولحديث ابن عمر مرفوعا { كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي على ظهر راحلته حيث كان وجهه يومئ برأسه وكان ابن عمر يفعله } متفق عليه ،

وللبخاري " إلا الفرائض " ولأن ذلك تخفيف في التطوع ، لئلا يؤدي إلى تقليله أو قطعه فاستويا فيه . و ( لا ) يسقط الاستقبال في نفل راكب ( تعاسيف ) وهو ركوب الفلاة وقطعها على غير صوب ، كما لا يقصر ولا يفطر برمضان ( لكن إن لم يعذر من عدلت به دابته ) إلى غير جهة القبلة ، بأن علم بعدولها وقدر على ردها ولم يفعل بطلت .

( أو عدل هو إلى غيرها ) أي لقبلة ( عن جهة سيره مع علمه ) بعدوله بطلت ، لأنه ترك قبلته عمدا ، وسواء طال عدوله أو لا ( أو عذر ) من عدلت به دابته ، لعجزه عنها لجماحها أو نحوه ، أو عذر من عدل إلى غيرها لغفلة أو نوم أو جهل أو ظن أنها جهة سيره ( وطال ) عدول دابته أو عدوله عرفا ( بطلت ) صلاته ; لأنه بمنزلة العمل الكثير من غير جنس الصلاة ، فيبطلها عمده وسهوه .

فإن كان عذر ولم يطل لم تبطل ; لأنه بمنزلة العمل اليسير ، وإن كان عذره لسهو سجد له ويعايا بها ، فيقال : شخص سجد بفعل غيره ، وليس إماما له ، وإن كان العدول إلى القبلة لم تبطل أيضا ; لأن التوجه إليها هو الأصل ،

وإذا داس نجاسة عمدا بطلت صلاته ، لا إن داسها مركوبه ( وإن وقف ) المسافر المتنفل لجهة سيره ( لتعب دابته ، أو ) وقف ( منتظرا رفقة ، أو ) وقف لكونه ( لم يسر لسيرهم ) أي الرفقة ( أو نوى النزول ببلد دخله ، أو نزل في أثنائها ) أي الصلاة ( استقبل ) القبلة ( ويتمها ) أي الصلاة كالخائف يأمن في أثناء الصلاة ( ويصح ) أي ينعقد ( نذر الصلاة عليها ) أي الراحلة ، بأن نذر أن يصلي ركعتين مثلا على راحلته فينعقد نذره ( وإن ركب ماش ) متنفل ( في نفل أتمه ) راكبا ; لأنه انتقل من حالة مختلف في التنفل فيها إلى حالة متفق عليه فيها ، مع كون [ ص: 169 ] كل منها حالة سير ( وتبطل ) الصلاة ( بركوب غيره ) أي الماشي ،

فلو تنفل النازل بالموضع الذي نزل فيه ، وركب في أثناء نفله . بطل ، سواء كان يصلي قائما أو قاعدا ; لأن حالته حالة إقامة ، فركوبه فيها بمنزلة العمل الكثير ( و ) يجب ( على ) مسافر ( ماش ) يتنفل ( إحرام إلى القبلة وركوع وسجود إليها ) بالأرض ، لتيسر ذلك عليه ، ويفعل ما سواه إلى جهة سيره .

وصحح المجد : يومئ بركوع وسجود إلى جهة سيره كراكب ( ويستقبل ) القبلة متنفل ( راكب ) في كل صلاته ( ويركع ويسجد ) وجوبا ( إن أمكن ) ذلك ( بلا مشقة ) كراكب المحفة الواسعة والسفينة والراحلة الواقفة ; لأنه كالمقيم في عدم المشقة . فإن أمكنه أن يدور في السفينة والمحفة إلى القبلة في الفرض لزمه نصا ، غير ملاح لحاجته .

وإن أمكنه الافتتاح إلى القبلة دون الركوع والسجود ، أتى بما قدر عليه وأومأ بهما لحديث أنس { أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سافر ، فأراد أن يتطوع استقبل بناقته القبلة ، فكبر ، ثم صلى حيث وجهه ركابه } رواه أحمد وأبو داود ( وإلا ) بأن لم يمكنه ذلك ، كراكب بعير مقطور تعذر عليه الاستدارة بنفسه ، أو راكب حرون تصعب عليه إدارته ، ولا يمكنه ركوع ولا سجود ( ف ) يحرم ( إلى جهة سيره ويومئ ) بركوع وسجود .

( ويلزم قادرا ) على الإيماء ( جعل سجوده أخفض ) من ركوعه . لحديث جابر قال : { بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم في حاجة فجئت وهو يصلي على راحلته نحو المشرق ، والسجود أخفض من الركوع } رواه أبو داود ( و ) تلزمه ( الطمأنينة ) لأنها ركن قدر على الإتيان به فلزمه ، كما لو كان بالأرض . وتجوز صلاة النافلة من وتر وغيره للمسافر على البعير والفرس والبغل والحمار ونحوها .

قال ابن عمر { رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي على حمار ، وهو متوجه إلى خيبر } رواه أبو داود والنسائي ، لكن يشترط طهارة ما تحت الراكب من نحو برذعة ، وإن كان الحيوان نجس العين ولا كراهة هنا لمسيس الحاجة إليه كما صححه المجد ، ولأنه قد صح { أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي على حماره : النفل } وراكب القمارية يدور فيها إلى القبلة في الفرض ، كراكب السفينة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث