الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل إذا رفع إليه قضاء قاض

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 349 ] وإذا رفع إليه قضاء قاض أمضاه ، إلا أن يخالف الكتاب أو السنة المشهورة أو الإجماع ، ولا يجوز قضاؤه لمن لا تقبل شهادته له ، ويجوز لمن قلده وعليه; وإذا علم بشيء من حقوق العباد في زمن ولايته ومحلها جاز له أن يقضي به . والقضاء بشهادة الزور ينفذ ظاهرا وباطنا ( سم ) في العقود ، والفسوخ : كالنكاح ، والطلاق والبيع ، وكذلك الهبة ، والإرث .

التالي السابق


فصل

( وإذا رفع إليه قضاء قاض أمضاه إلا أن يخالف الكتاب أو السنة المشهورة أو الإجماع ) وأصله أن القاضي إذا كان ممن يجوز قضاؤه فقضى بقضية يسوغ فيها الاجتهاد لم يجز لأحد من القضاة نقضه ، لأن الاجتهاد الثاني مثله والأول ترجيح بالسبق لاتصال القضاء به . وروي أن شريحا قضى بقضاء خالف فيه عمر وعليا - رضي الله عنهما ، فلم يفسخاه لوقوعه من قاض جائز [ ص: 350 ] الحكم فيما يسوغ فيه الاجتهاد . وعن عمر - رضي الله عنه - أنه قضى في الجد بقضايا مختلفة ، فقيل له ، فقال ذاك على ما قضينا ، وهذا على ما نقضي ، ولم يفسخ الأول; ولا اجتهاد مع الكتاب ولا مع السنة المشهورة ، إذ لا اجتهاد إلا عند عدمهما ، لما تقدم من حديث معاذ ، ولا مع إجماع الجمهور ؛ لأنه خلاف وليس باختلاف ، والمراد اختلاف الصدر الأول .

قال : ( ولا يجوز قضاؤه لمن لا تقبل شهادته له ) ؛ لأن المعنى الذي ترد الشهادة له في القضاء أقوى ؛ لأنه ألزم .

قال : ( ويجوز لمن قلده وعليه ) لأنه نائب عن المسلمين لا عنه ، ولهذا لا ينعزل بموته .

قال : ( وإذا علم بشيء من حقوق العباد في زمن ولايته ومحلها جاز له أن يقضي به ) لأن علمه كشهادة الشاهدين وبل أولى ؛ لأن اليقين حاصل بما علمه بالمعاينة والسماع ، والحاصل بالشهادة غلبة الظن ، والإجماع على أن قوله على الانفراد مقبول فيما ليس خصما فيه ، ومتى قال حكمت بكذا نفذ حكمه . وأما ما علمه قبل ولايته أو في غير محل ولايته لا يقضي به عند أبي حنيفة رضي الله عنه ، نقل ذلك عن عمر وشريح رضي الله عنهما . وقال أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله - : يقضي كما في حال ولايته ومحلها لما مر ، وجوابه أنه في غير مصره وغير ولايته شاهد لا حاكم ، وشهادة الفرد لا تقبل ، وصار كما إذا علم ذلك بالبينة العادلة ثم ولي القضاء فإنه لا يعمل بها .

وأما الحدود فلا يقضي بعلمه فيها لأنه خصم فيها ، لأنها حق الله تعالى وهو نائبه إلا في حد القذف فإنه يعمل بعلمه لما فيه من حق العبد ، وإلا في السكر إذا وجد سكران ، أو من به أمارات السكر فإنه يعزره .

قال : ( والقضاء بشهادة الزور ينفذ ظاهرا وباطنا في العقود والفسوخ كالنكاح ، والطلاق ، والبيع ، وكذلك الهبة ، والإرث ) وقالا : لا ينفذ باطنا .

وصورته شهد شاهدان بالزور بنكاح امرأة لرجل فقضى بها القاضي نفذ عنده حتى حل للزوج وطؤها خلافا لهما; ولو شهدا بالزور على رجل أنه طلق امرأته بائنا فقضى القاضي بالفرقة [ ص: 351 ] ثم تزوجها آخر جاز; وعندهما إن جهل الزوج الثاني ذلك حل له وطؤها اتباعا للظاهر ؛ لأنه لا يكلف علم الباطن وإن علم بأن كان أحد الشاهدين لا يحل ، ولو وطئها الزوج الأول كان زانيا ويحد .

وقال محمد : يحل له وطؤها ، وقال أبو يوسف : لا يحل له ؛ لأن قول أبي حنيفة أورث شبهة فيحرم الوطء احتياطا ، ولا ينفذ في معتدة الغير ومنكوحته بالإجماع ؛ لأنه لا يمكن تقديم النكاح على القضاء ، وفي الأجنبية أمكن ذلك فيقدم تصحيحا له قطعا للمنازعة ، وينفذ ببيع الأمة عنده حتى يحل للمشتري وطؤها ، وينفذ في الهبة والإرث حتى يحل للمشهود له أكل الهبة والميراث ، وروي عنه أنه لا ينفذ فيهما . لهما قوله - عليه الصلاة والسلام - : " إنكم لتختصمون إلي ، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض ، وإنما أنا بشر أقضي بما أسمع ، فمن قضيت له من مال أخيه شيئا بغير حقه فإنما أقطع له قطعة من النار " وأنه عام فيعم جميع الحقوق والعقود والفسوخ وغير ذلك ، فينبغي أن يكون الحكم في الباطن كهو عند الله تعالى ، أما الظاهر فالحكم لازم على ما أنفذه القاضي .

قال - صلى الله عليه وسلم - : " أنا أقضي بالظاهر والله يتولى السرائر " وله ما روي : أن رجلا خطب امرأة وهو دونها في الحسب فأبت أن تتزوجه ، فادعى أنه تزوجها ، وأقام شاهدين عند علي رضي الله عنه ، فحكم عليها بالنكاح ، فقالت : إني لم أتزوجه وإنهم شهود زور فزوجني منه ، فقال علي - رضي الله عنه - : شاهداك زوجاك وأمضى عليها النكاح ، ولأنه قضى بأمر الله تعالى بحجة شرعية فيما له ولاية الإنشاء فيجعل إنشاء تحرزا عن الحرام ، وحديثهما في المال صريح ونحن نقول به ، فإن قضاء القاضي في الأملاك المرسلة لا ينفذ بشهادة الزور بهذا الحديث ، ولقوله تعالى : ( ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ) وروي أنها نزلت فيه ؛ ولأن القاضي لا يملك إثبات الملك بدون السبب ، فإنه لا يملك دفع مال زيد إلى عمرو .

أما العقود والفسوخ فإنه يملك إنشاءهما فإنه يملك بيع أمة زيد وغيرها من عمرو حال غيبته [ ص: 352 ] وخوف الهلاك فإنه يبيعه للحفظ ، وكذلك لو مات ولا وصي له ، ويملك إنشاء النكاح على الصغير والصغيرة والفرقة في العنين وغير ذلك ، فثبت أن له ولاية الإنشاء في العقود والفسوخ ، فيجعل القضاء إنشاء احترازا عن الحرام ، ولا يملك ذلك في الأملاك المرسلة بغير أسباب فتعذر جعله إنشاء فبطل ، ثم نقول : لو لم ينفذ باطنا ، فلو قضى القاضي بالطلاق لبقيت حلالا للزوج الأول باطنا وللثاني ظاهرا; ولو ابتلي الثاني بمثل ما ابتلي به الأول حلت للثالث أيضا ، وهكذا رابع وخامس ، فتحل للكل في زمان واحد ، وفيه من الفحش ما لا يخفى; ولو قلنا بنفاذه باطنا لا تحل إلا لواحد ولا فحش فيه .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث