الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( باب زكاة المعدن ) هو بفتح فسكون فكسر مكان الجواهر المخلوقة فيه ويطلق عليه نفسها كنقد وحديد ونحاس وهو المراد في الترجمة من عدن كضرب أقام ومنه جنات عدن ( والركاز ) هو ما دفن بالأرض من ركز غرز أو خفي ومنه أو تسمع لهم ركزا أي صوتا خفيا ( والتجارة ) وهي تقليب المال بالتصرف فيه لطلب النماء ( من استخرج ) وهو من أهل الزكاة ( ذهبا أو فضة من معدن ) من أرض مباحة أو مملوكة له كذا اقتصروا عليه وقضيته أنه لو كان من أرض موقوفة عليه أو على جهة عامة أو من أرض نحو مسجد ورباط لا تجب زكاته ولا يملكه الموقوف عليه ولا نحو المسجد والذي يظهر في ذلك أنه إن أمكن حدوثه في الأرض وقال أهل الخبرة إنه حدث بعد الوقفية أو المسجدية ملكه الموقوف عليه كربع الوقف ونحو المسجد ولزم مالكه المعين زكاته أو قبلها فلا زكاة فيه ؛ لأنه من عين الوقف وإن ترددوا فكذلك .

ويؤيد ما تقرر من أنه قد يحدث قولهم إنما لم يجب إخراج الزكاة للمدة [ ص: 283 ] الماضية وإن وجده في ملكه ؛ لأنه لم يتحقق كونه ملكه من حين ملك الأرض لاحتمال كون الموجود مما يخلق شيئا فشيئا والأصل عدم وجوب الزكاة وحديث { إن الذهب والفضة مخلوقان في الأرض يوم خلق الله السموات والأرض } ضعيف على أن المراد جنسهما لا بالنسبة لمحل بعينه ( لزمه ربع عشره ) للخبر الصحيح به وخرج بذهبا وفضة غيرهما فلا زكاة فيه ( وفي قول الخمس ) قياسا على الركاز الآتي بجامع الإخفاء في الأرض ( وفي قول إن حصل بتعب ) أي كطحن ومعالجة بنار ( فربع العشر وإلا فخمسه ) ويجاب بأن من شأن المعدن التعب والركاز عدمه فأنطنا كلا بمظنته ( ويشترط النصاب ) استخرجه واحد أو جمع لعموم الأدلة السابقة ولأن ما دونه لا يحتمل المواساة بخلافه ( لا الحول ) ؛ لأنه إنما اعتبر لأجل تكامل النماء والمستخرج من المعدن نماء كله فأشبه الثمر والزرع ( على المذهب وفيهما ) وخبر الحول السابق مخصوص بغير المعدن ؛ لأنه يستنبط من النص معنى يخصصه [ ص: 284 ] ووقت وجوبه حصول النيل بيده ووقت الإخراج بعد التخليص والتنقية فلو تلف بعضه قبل التمكن من الإخراج سقط قسطه ووجب قسط ما بقي ومؤنة ذلك على المالك كما مر نظيره ثم فلا يجزئ إخراجه قبلها ويضمنه قابضه ويصدق في قدره وقيمته إن تلف ؛ لأنه غارم ولو ميزه الآخذ فكان قدر الواجب أجزأه أي إن نوى به الزكاة حينئذ وكذا عند الإخراج فقط فيما يظهر لوجود قدر الزكاة فيه وإنما فسد القبض لاختلاطه بغيره وبه فارق ما لو قبض سخلة فكبرت في يده ويقوم تراب فضة بذهب وعكسه ( تنبيه )

ظاهر إطلاقهم هنا ضمان قابضه أنه يرجع عليه به وإن لم يشرط الاسترداد وعليه يفرق بينه وبين ما يأتي في التعجيل بأن المخرج ثم مجزئ في ذاته وتبين عدم الإجزاء لسبب خارج عنها غير مانع لصحة قبضه فاشترط في الرجوع به شرطه [ ص: 285 ] بخلافه هنا فإنه غير مجزئ في ذاته ففسد القبض من أصله فلم يحتج لشرط ( ويضم بعضه إلى بعض إن ) اتحد المعدن لا إن تعدد وإن تقارب وكذا الركاز و ( تتابع العمل ) كما يضم المتلاحق من الثمار ولا يشترط بقاء الأول بملكه وإن أتلف أولا فأولا ( ولا يشترط ) في الضم ( اتصال النيل على الجديد ) ؛ لأنه لا يحصل غالبا إلا متفرقا ( وإذا قطع العمل بعذر ) كإصلاح آلة وهرب أجير ومرض وسفر أي لغير نحو نزهة فيما يظهر أخذا مما يأتي في الاعتكاف ثم عاد إليه ( ضم ) وإن طال الزمن عرفا ؛ لأنه عاكف على العمل متى زال العذر ( وإلا ) يقطع بعذر ( فلا ) ضم وإن قصر الزمن عرفا ؛ لأنه إعراض ومعنى عدم الضم [ ص: 286 ] أنه لا ( يضم الأول إلى الثاني ) في إكمال النصاب بخلاف ما يملكه بغير ذلك فإنه يضم إليه نظير ما يأتي ( ويضم الثاني إلى الأول كما يضمه إلى ما ملكه ) من جنسه أو عرض تجارة تقوم بجنسه ولو ( بغير المعدن ) كإرث وإن غاب بشرط علمه ببقائه ( في إكمال النصاب فإن كمل به النصاب ) زكى الثاني فلو استخرج بالأول خمسين ثم استخرج تمام النصاب لم يضم الخمسين لما بعدها فلا زكاة فيها ويضم المائة والخمسين لما قبلها فيزكيها لعدم الحول ثم إذا أخرج حق المعدن من غيرهما ومضى حول من حين كمال المائتين لزمه زكاتهما ولو كان الأول نصابا ضم الثاني إليه قطعا

التالي السابق


حاشية ابن قاسم

( باب زكاة المعدن والركاز والتجارة )

( قوله ملكه الموقوف عليه إلخ ) لقائل أن يقول إنه نزل منزلة ثمرة الشجرة ( قوله ؛ لأنه من عين الوقف ) ظاهره شمول الوقف له وصحته بالنسبة إليه أيضا فلينظر ماذا يفعل به وهل له حكم الأرض حتى يمتنع التصرف فيه ولو لجهة الوقف ( قوله ؛ لأنه من عين الوقف ) قضيته شمول الوقف له وصحته بالنسبة إليه ولا يبعد أن يفعل به ما يفعل بالثمرة غير المؤبرة إذا دخلت في الوقف ويتجه أن يقال إن أمكن الانتفاع به مع بقاء عينه كجعله حليا مباحا ينتفع به بمباح لبس أو إعارة أو إجارة وجب وإلا فعل به ما يفعل بالثمرة ويحتمل أن له حكم الأرض فلا يفعل به إلا ما يفعل بالأرض .

( قوله وإن ترددوا فكذلك ) المفهوم منه أن المعنى أنه لا زكاة فيه ؛ لأنه من عين [ ص: 283 ] الوقف وقد يتوقف في الحكم بوقفيته مع احتمال حدوثه ( قوله ؛ لأنه لم يتحقق كونه ملكه إلخ ) قضيته أنه لو تحقق ذلك كأن حفر في ملكه إلى أن وصل إليه وشاهده فلم يأخذه حتى مضت أحوال زكى لتلك الأحوال جميع ما علم أنه كان موجودا حينئذ وهو ظاهر كما لا يخفى ( قوله أي كطحن إلخ ) لم يجعل من التعب حفر الأرض وقطعه منها ( قوله استخرجه واحد أو جمع ) قال في الروض فرع إذا استخرج اثنان نصابا زكياه للخلطة ا هـ [ ص: 284 ]

( قوله ووقت وجوبه حصول النيل بيده ) يتجه فيما لو ملك الأرض بإحياء مثلا وعلم أن فيها معدنا كان شاهده لانكشافه بنحو سيل وأنه يبلغ نصابا أن تجب الزكاة من حين الملك وأن يجزئ إخراج الخالص عنه قبل استخراجه فليتأمل ( قوله ووجب قسط ما بقي ) أي وإن نقص عن النصاب روض ( قوله فلا يجزئ إخراجه قبلها ) ظاهره وإن علم أن ما فيه من الخالص بقدر الواجب ورضي المستحق ويحتمل الإجزاء حينئذ كما مر نظيره في إخراج المغشوش بل لا يتجه فرق بينهما ( قوله فكان قدر الواجب ) عبارة شرح الروض عن المجموع فإن كان قدر الواجب أجزأه وإلا رد التفاوت أو أخذه ولا شيء للساعي بعمله ؛ لأنه متبرع ا هـ .

( قوله أجزأه إلخ ) فقوله السابق فلا يجزئ إخراجه إلخ أي ما دام كذلك لا مطلقا ( قوله فسد القبض ) يحتمل أن المراد الفساد ظاهرا وأنه بالتمييز يبين الاعتداد به وإلا فالإجزاء مع الفساد مطلقا مشكل وما وقع فاسدا لا ينقلب صحيحا ( قوله ويقوم تراب فضة إلخ ) أي فيما إذا تلف في يده قبل التمييز وغرمه قال في شرح الروض فإن اختلفا في قيمته صدق الساعي ؛ لأنه غارم ا هـ .

( قوله وعليه يفرق إلخ ) قد يفرق بأن الإخراج قبل الوجوب يناسب التبرع ( قوله فاشترط في الرجوع به شرطه ) قد يقال ما لا يجزئ في ذاته أقرب إلى التبرع مما يجزئ في ذاته فليحتج [ ص: 285 ] للشرط بالأولى .

( قوله بخلافه هنا ) ينبغي أن يجري على ما لا يقال هنا فيما لو أخذ الرطب عن زكاة ما يتتمر ( قوله فإنه غير مجزئ في ذاته ففسد القبض إلخ ) صريح في أن مدار الفرق فساد القبض لعدم الإجزاء وحينئذ فقد ينقض هذا الفرق ما صرحوا به في باب زكاة النقد مما نصه واللفظ للروض وشرحه ولا يجزئ رديء ومكسور عن جيد وصحيح كما لو أخرج مريضة عن صحاح وله استردادهما كما يأتي في الفرع الآتي ثم قال وإذا أخرج رديئا عن جيد كأن أخرج خمسة معينة عن مائتين جيدة فله استرداده كما لو عجل الزكاة فتلف ماله قبل الحول هذا إن بين ذلك عند الدفع وإلا فلا يسترده ا هـ .

فقد صرحوا بعدم إجزاء الرديء عن الجيد ومن لازمه فساد القبض من أصله ومع ذلك شرطوا في الاسترداد البيان كما ترى فإن قلت هذا الكلام إنما أفاد اشتراط البيان وكلام الشارح في شرط الاسترداد وهو غير مجرد البيان قلت هما واحد في الحكم كما يعلم من مبحث التعجيل فسيأتي فيه أنه يكفي في الاسترداد مجرد قوله هذه زكاتي المعجلة وإن لم يشترط الاسترداد على أنه لا حاجة بنا إلى ذلك فإن كلامهم هذا مصرح بعدم الاسترداد عند عدم الشرط مع فساد القبض كما تقرر وفرق الشارح المذكور مصرح بالاسترداد عند عدم الشرط نظرا لفساد القبض فإن قلت مدار الفرق أنه مجزئ في ذاته مع فساد القبض قلت لا نسلم أنه غير مجزئ في ذاته وإلا لم يجزئ إذا ميزه فكان قدر الواجب .

( قوله ففسد القبض إلخ ) قد يشكل فساد القبض من أصله مع ما تقدم من الإجزاء إذا ميزه الساعي فكان قدر الواجب ( قوله لا إن تعدد إلخ ) وظاهر أن ما أخرجه من أحد المعدنين يضم إلى ما أخرجه من الآخر قبله في إكمال النصاب كما يعلم مما يأتي آنفا ( قوله وكذا الركاز ) قال في شرح الروض نقله في الكفاية عن النص ( قوله ولا يشترط بقاء الأول بملكه ) كذا في الروضة عن التهذيب وعبارة الروض وإن أتلفه أولا فأولا ا هـ ولا يخفى إشكال ذلك ؛ لأن النصاب حينئذ لم يجتمع في ملكه وفي شرح الروض وشرط الضم اتحاد المعدن فلو [ ص: 286 ] تعدد لم يضم تقاربا أو تباعدا وكذا في الركاز نقله في الكفاية عن النص ا هـ .

( قوله في المتن فلا يضم الأول إلى الثاني ) أي حتى يزكي الأول ( قوله بخلاف ما يملكه ) أي بأن كان في ملكه عند حصول الأول تمام النصاب ( قوله ولو بغير المعدن ) دخل ما لو ملكه من معدن آخر ولو دون نصاب ( قوله ومضى حول من حين كمال المائتين ) عبارة الروض وشرحه وينعقد الحول عليهما من حين النيل إن كان نقدا في شرح الروض وكذا لو كان الملك دون نصاب أيضا إلا أنهما جميعا نصاب فيزكي المعدن في الحال وينعقد الحول عليهما من حين النيل إن كان نقدا ا هـ وأخرج زكاة المعدن من غيرهما في المثال المذكور أي وهو ما لو ملك مائة درهم ونال من المعدن مائة ا هـ وقد يستند على انعقاد الحول من حين النيل في نحو هذا المثال وإن أخرج من غيرهما لنقص النصاب إلى حين الإخراج بملك المستحقين قدر الواجب منه فينبغي أن يأتي هنا ما قيل في نظائر ذلك إن تصور ثم رأيت الشارح في شرح العباب بعد أن قال وأخرج زكاة النيل من غيرهما في المثال المذكور أي وهو ما تقدم عن شرح الروض قال ما نصه ومر ويأتي في نظائره بسط فاعرفه ا هـ .

ولعله إشارة لما ذكرناه من الإشكال وما يمكن في جوابه مما قيل في نظائره فليتأمل

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث