الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ القول في بيع ورهن العبد المرتد ] :

مسألة : قال الشافعي رضي الله عنه : " ويجوز رهن العبد المرتد " .

قال الماوردي : وهذا كما قال .

رهن العبد المرتد جائز وبيعه جائز نص على جواز بيعه في كتاب البيوع ، وعلى جواز رهنه في كتاب الرهن ، وإنما جاز بيعه ورهنه : لأن الردة ليس فيها أكثر من خوف هلاكه إن أقام عليها ، ورجاء سلامته إن تاب منها ، وهذا غير مانع من صحة البيع وجواز الرهن كالعبد المريض المدنف يجوز بيعه ورهنه وإن خيف هلاكه بالموت ورجيت سلامته بالبرء .

[ ص: 82 ] فإذا ثبت جواز بيعه ورهنه وجب عليه تقديم الكلام في بيعه : لأن حكم رهنه مبني عليه .

فإذا بيع العبد المرتد فلا يخلو حال المشتري من أحد أمرين : إما أن يكون عالما بردته أو غير عالم بردته .

فإن كان عالما بردته فلا يخلو حال العبد من أحد أمرين :

إما أن يتوب من الردة أو يقتل بها ، فإن تاب من الردة فقد مضى البيع سليما ولا خيار للمشتري ، وإن قتل بالردة فقد اختلف أصحابنا على وجهين :

أحدهما وهو قول أبي إسحاق المروزي : إن قتله بالردة يجري مجرى استحقاقه بالغصب فيجعل للمشتري الرجوع بثمنه كما لو اشترى عبدا فبان مغصوبا واستحق رده كان له الرجوع بثمنه .

والوجه الثاني وهو قول أبي علي بن أبي هريرة : أن الردة عيب كالمرض وقتله بالردة يجري مجرى موته بالمرض ، فإذا قتل في يده بالردة لم يرجع بثمنه كما لو مات في يده بالمرض لم يرجع بثمنه وليس له الرجوع بأرش نقصه بالردة : لأنه عيب قد كان عالما به .

فصل : وإن كان المشتري غير عالم بردته فعلى ثلاثة أضرب :

أحدها : أن يعلم بها وهو على ردته .

والثاني : أن يعلم بها بعد توبته .

والثالث : أن يعلم بها بعد قتله .

فأما الضرب الأول وهو أن يعلم بها وهو على ردته فهذا عيب قد علمه المشتري فهو بالخيار بين أن يرده ويفسخ البيع ، وبين أن يقيم على البيع .

فإن رده بالعيب وفسخ البيع كان له استرجاع الثمن ، وإن رضي بالعيب وأراد المقام على البيع فلا أرش له .

ثم لا يخلو حاله فيما بعد من أحد أمرين :

إما أن يتوب من الردة أو يقتل بها ، فإن تاب من الردة فقد استقر الملك وانقطع حكم الردة ، وإن قتل بالردة فعلى قول أبي إسحاق المروزي له الرجوع بثمنه كما لو استحق ، وعلى قول أبي علي بن أبي هريرة ليس له الرجوع بثمنه كما لو مات بمرض قد رضي [ ص: 83 ] به .

وأما الضرب الثاني وهو أن يعلم بردته بعد توبته فقد اختلف أصحابنا : هل ذلك عيب في الحال يوجب الرد أم لا ، على وجهين :

أحدهما : أن ذلك عيب في الحال يوجب الرد ، فعلى هذا يكون بالخيار بين رده وإمساكه .

والوجه الثاني : أن ذلك ليس بعيب في الحال لأن العيب إنما كان بالردة ، والردة قد زالت بالتوبة فعلى هذا هل يجوز له الرد أم لا ؟ على وجهين :

أحدهما : له الرد اعتبارا بوجوبه في الابتداء .

والثاني : لا رد له اعتبارا بسقوطه في الانتهاء .

وأما الضرب الثالث فهو أن يعلم بردته بعد قتله ، فعلى قول أبي إسحاق المروزي له الرجوع بثمنه كما لو استحق ، وعلى قول أبي علي بن أبي هريرة له الرجوع بأرشه دون ثمنه كما لو اشتراه مريضا فلم يعلم بمرضه حتى مات في يده رجع بأرشه دون ثمنه .

واعتبار أرشه أن يقوم مرتدا وغير مرتد ويرجع بما بين القيمتين من ثمنه .

وإنما لم يرجع بثمنه على قول أبي علي بن أبي هريرة لفوات رده ورجع بأرشه لعدم العلم به ، فهذا حكم بيع المرتد .

فصل : قال الشافعي رضي الله عنه : فأما رهن المرتد فجائز لما ذكرنا فإن كان مشروطا في بيع فعلى ضربين :

أحدهما : أن يكون المرتهن عالما بردته ، والضرب الثاني : أن يكون غير عالم بردته .

فإن كان عالما بردته فلا يخلو حال العبد من أحد أمرين : إما أن يتوب من ردته أو يقتل بها ، فإن تاب من ردته فهو رهن بحاله ، ولا خيار للمرتهن في البيع ، وإن قتل بردته فعلى مذهب أبي إسحاق المروزي له الخيار في فسخ البيع كما لو استحق ، وعلى مذهب أبي علي بن أبي هريرة لا خيار له في فسخ البيع : لأن ذلك عيب قد كان عالما به .

وإن كان غير عالم بردته ثم علم بها فعلى ثلاثة أضرب مضت :

أحدها : أن يعلم به وهو على ردته ، فعلى هذا هو بالخيار بين فسخ الرهن والبيع وبين إمضائهما .

فإن فسخ فله ذلك وإن أمضاهما فلا يخلو حال العبد المرتد من أحد أمرين : إما أن يتوب من ردته ، فلا يكون له خيار في البيع ، أو يقتل في ردته فيكون له الخيار في فسخ [ ص: 84 ] البيع على قول أبي إسحاق المروزي ولا خيار له في فسخ البيع على قول أبي علي بن أبي هريرة .

والضرب الثاني : أن يعلم بردته بعد توبته فهل ذلك عيب في الحال أم لا على وجهين :

أحدهما : هو عيب في الحال ، فعلى هذا هو بالخيار بين فسخ البيع وإمضائه .

والثاني : ليس بعيب ، فعلى هذا هل له خيار في فسخ البيع أم لا ؟ على وجهين مضيا .

والضرب الثالث : أن يعلم بردته بعد قتله .

فعلى قول أبي إسحاق له الخيار في فسخ البيع كما لو استحق ، وعلى قول أبي علي لا خيار له في فسخ البيع ولا مطالبة له بالأرش .

أما فسخ البيع فلأن تلف الرهن كان بيده ، وإذا كان تلف الرهن في يد المرتهن بعيب متقدم لم يوجب خيارا في البيع لفوات رده بالعيب ، كما لو ارتهن عبدا مريضا فمات في يده وهو لا يعلم بمرضه ، لم يكن له خيار في فسخ البيع لفوات رده ، وأما الرجوع بالأرش فليس له .

فإن قيل : أليس لو كان المرتد مبيعا فلم يعلم المشتري بردته حتى قتل بها كان له الرجوع بأرشه على قول أبي علي فهلا إذا كان العبد مرهونا فلم يعلم بردته حتى قتل بها أن يكون له الرجوع بأرشه على قول أبي علي ؟ قيل : الفرق بينهما وهو فرق أبي علي : أن الرجوع بالأرش إنما يستحق فيما يجبر على تسليمه ، فلما أجبر البائع على تسليم المبيع أجبر على تسليم الأرش ، ولما لم يجبر الراهن على تسليم الرهن لم يجبر على تسليم الأرش فمن هذا الوجه وحده اختلف بيع المرتد ورهنه .

فلذلك أعدت تقسيمه ولم أجعل الجواب في الرهن معطوفا على الجواب في البيع خوف الاشتباه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث