الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 203 ] باب انتفاع الراهن بما يرهنه

" قال : حدثنا إبراهيم بن محمد ، قال أخبرني المزني قال : ( قال الشافعي ) : وقد روي عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال الرهن مركوب ومحلوب ( قال ) ومعنى هذا القول أن من رهن ذات در وظهر لم يمنع الراهن من ظهرها ودرها ، وأصل المعرفة بهذا الباب أن للمرتهن حقا في رقبة الرهن دون غيره ، وما يحدث مما يتميز منه غيره " .

قال الماوردي : وهذا كما قال : نماء الرهن ومنافعه من ثمرة ونتاج ودر وركوب وسكنى ملك للراهن دون المرتهن ، سواء أنفق على الرهن أم لا .

وهذا قول مالك وأبي حنيفة .

وقال أحمد بن حنبل : جميع نماء الرهن وسائر منافعه ملك المرتهن دون الراهن ، سواء كان هو المنفق على الرهن أم لا .

وقال أبو ثور : إذا كان الراهن هو الذي ينفق على الرهن ، فالنماء والمنافع له .

وإذا كان المرتهن هو المنفق على الرهن ، فالنماء والمنافع له .

فأما أحمد فاستدل بحديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الرهن محلوب ومركوب ومعلوم أنه علق على الرهن هذا الحكم لما حدث عقد الرهن ، فلم يجز أن يكون الحلب والركوب مضافا إلى الراهن ، لأن له ذلك قبل الرهن ، فعلم أنه أضاف ذلك إلى المرتهن ، ليصير حكمه مستفادا بالرهن ، ولأن الرهن كالبيع في أن كل واحد منهما عقد على ملك في مقابلة عوض ، ثم لما كان عقد البيع يجعل نماء المبيع ملكا للمشتري وجب أن يكون عقد الرهن يجعل نماء المبيع ملكا للمرتهن .

وأما أبو ثور فاستدل بحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الرهن يركب [ ص: 204 ] بنفقته إذا كان مرهونا ، ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهونا ، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة قال : فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم النماء تبعا للنفقة ، فعلم أنها ملك لمن تولى النفقة ، قال : ولأن النماء في مقابلة النفقة لأن النفقة نقص وغرم ، والنماء زيادة وكسب ، فوجب أن يكون كسب النماء لمن جعل عليه نقص النفقة .

والدلالة عليها حديث ابن المسيب مرسلا عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا يغلق الرهن من راهنه الذي رهنه ، له غنمه ، وعليه غرمه .

فجعل لمالك الرهن غنمه من نماء وزيادة ، وجعل عليه غرمه من مئونة ونقص ، ولأن كل من كان له ملك كان له نماء ذلك الملك ، لأن الفروع تابعة للأصول ، فلما كان الرهن على ملك الراهن وجب أن يكون النماء على ملك الراهن كسائر الأملاك ، ولأن يد المرتهن عليه لاستيفاء حقه منه ، وذلك لا يوجب تملك المنافع كحبس المبيع في يد البائع ، ولأن حق المرتهن قد تعلق برقبة العبد المرهون كتعلق الجناية برقبة العبد الجاني ، ثم لم يكن تعلق حق الجناية بالرقبة موجبا لتمليك المنافع ؛ وجب أن لا يكون تعلق حق المرتهن بالرهن موجبا لتمليك المنافع .

فأما الجواب عما استدل به أحمد من قوله صلى الله عليه وسلم الرهن محلوب ومركوب فيعني لراهنه ، وقصد به بيان الحكم بأن الراهن لا يمتنع منه ، وأما الجواب عن استدلاله بالبيع ، فالبيع لما نقل ملك المبيع إلى المشتري نقل نماء المبيع إلى المشتري ، ولما لم ينقل عقد الرهن الملك إلى المرتهن لم ينقل نماء الرهن إلى المرتهن .

وأما الجواب عما استدل به أبو ثور من الخبر فالمراد به الراهن بدليلين :

أحدهما : قوله : الرهن من راهنه الذي رهنه ، له غنمه ، وعليه غرمه .

والثاني : أنه جعل ذلك ملكا لمن تجب عليه النفقة ، ولم يجعله لمن تطوع بالنفقة ، والنفقة واجبة على الراهن دون المرتهن .

فوجب أن يكون بدليل هذا الحديث النماء واجبا للراهن دون المرتهن ، وهو جواب عن استدلاله .

فإذا ثبت أن النماء ملك للراهن فالكلام في خروجه من الرهن وخلاف مالك وأبي حنيفة فيه يأتي من بعد .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث