الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 243 ] باب ما يفسد الرهن من الشرط وما لا يفسده وغير ذلك

قال الشافعي رضي الله عنه : " إن اشترط المرتهن من منافع الرهن شيئا فالشرط باطل " .

قال الماوردي : عقد هذا الباب ومقدمته وما تبنى عليه مسائله أن الشرط في الرهن على أربعة أضرب :

أحدها : ما كان من موجباته .

والثاني : ما كان من جائزاته .

والثالث : " ما كان من ممنوعاته الناقصة .

والرابع : ما كان من ممنوعاته الزائدة .

فأما الضرب الأول منها وهو ما كان من موجباته ، فمثل اشتراط سقوط ضمانه عن مرتهنه ، وتمليك منافعه لراهنه ، وبيعه عند حلول أجله ، وقضاء الحق من ثمنه عند تعذر قبضه ، وهذه وما بينا كلها من موجبات الرهن لو لم يشترطها لوجبت وإذا اشترطها تأكدت .

وأما الضرب الثاني منها وهو ما كان من جائزاته ، فمثل اشتراط وضعه على يد عدل يرضيان به ، والتوكيل في بيعه نيابة لراهنه ومرتهنه ، فإن شرط هذا مع العقد أو بعده صح العقد وجاز الشرط ، وإن أخلا بتعيينه وبالشرط صح العقد وسقط الشرط ، فأما حلول الرهن وتأجيله فليس من جائزات الرهن ، وإنما هو من موجبات الدين لا عقد الرهن ، فيجب أن يكون بحسب الدين من حلوله وتأجيله ، فإن كان الدين حالا وجب أن يكون عقد الرهن حالا ، فإن عقد مؤجلا بطل : لأن الرهن مما أمكن استيفاء الدين منه عند استحقاقه ، وإن كان الدين مؤجلا وجب أن يكون عقد الرهن مؤجلا ، فإن عقده حالا بطل : لأن الرهن ما أمكن استدامة التوثق إلى حلول الدين : فلذلك وجب أن يكون حلول الرهن وتأجيله على حسب الدين وتأجيله .

والضرب الثالث منها : وهو ما كان من ممنوعاته الناقصة قبل اشتراط تأخير بيعه شهرا بعد حلول أجله أو يمتنع من بيعه عند حلوله إلا باختيار راهنه ، أو يباع بيمين عند [ ص: 244 ] استحقاق بيعه ، فإذا بيع لم يستوف جميع الحق من ثمنه ، فهذه وما شاء كلها شروط يمنع الرهن منها ، وهي شروط ناقصة فكانت باطلة ، لمنافاتها مقتضى العقد ، وكان الرهن باطلا لأنها تمنع من موجب الرهن ، وإذا بطل الرهن بها ، فإن كان الرهن مشروطا في بيع فهل يبطل أم لا ؟ على قولين :

أحدهما : يبطل البيع ببطلانه ، لأن الرهن من مقابلة جزء من الثمن ، بدليل أن الثمن في العرف يزيد بعدمه ، وينقص باشتراطه كالخيار والأجل ، وإذا بطل الرهن بطل من الثمن ما قابله وذلك مجهول ، ويؤدي إلى جهالة باقي الثمن ، والثمن المجهول يبطل صحة البيع .

والقول الثاني إن البيع جائز ، والمرتهن بالخيار بين إمضاء البيع وفسخه ، وإنما كان البيع جائزا وإن بطل الرهن : لأن الرهن عقد يصح إفراده عن البيع ، فإذا اقترن به وجب أن يختص بحكمه فلا يكون فساده موجبا لفساد البيع المقترن به ، كالصداق الذي لما صح أن يكون مفردا عن النكاح لم يكن بطلانه مبطلا للنكاح ، وبهذا فارق الخيار والأجل الذين لما لم يمكن إفرادهما عن العقد كان بطلانهما مبطلا للعقد ، وقال أبو إسحاق : لا يجوز أن يقال : إن الرهن في مقابلة جزء من الثمن لجواز اشتراطه في القرض الذي لا يجوز الزيادة عليه بشرط .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث