الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 102 ] سورة الصف

مدنية، وآياتها 14 نزلت بعد [التغابن]

بسم الله الرحمن الرحيم

سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص

لم هي لام الإضافة داخلة على ما الاستفهامية كما دخل عليها غيرها من حروف الجر في قولك: بم، وفيم، ومم، وعم، وإلام، وعلام. وإنما حذفت الألف; لأن ما والحرف كشيء واحد، ووقع استعمالهما كثيرا في كلام المستفهم; وقد جاء استعمال الأصل قليلا والوقف على زيادة هاء السكت أو الإسكان. ومن أسكن في الوصل فلإجرائه مجرى الوقف، كما سمع: ثلاثه، أربعه: بالهاء وإلقاء حركة الهمزة عليها محذوفة، وهذا الكلام يتناول الكذب وإخلاف الموعد. وروي أن المؤمنين قالوا قبل أن يؤمروا بالقتال: لو نعلم أحب الأعمال إلى الله تعالى لعملناه ولبذلنا فيه أموالنا وأنفسنا، فدلهم الله تعالى على الجهاد في سبيله، فولوا يوم أحد فعيرهم. وقيل: لما أخبر الله بثواب شهداء بدر قالوا: لئن لقينا قتالا لنفرغن فيه وسعنا، ففروا يوم أحد ولم يفوا. وقيل: كان الرجل يقول: قتلت ولم يقتل، وطعنت ولم يطعن، وضربت ولم يضرب، وصبرت ولم يصبر. وقيل: كان قد أذى المسلمين رجل ونكى فيهم، فقتله صهيب وانتحل قتله آخر، فقال عمر لصهيب : أخبر النبي - عليه السلام - أنك قتلته، فقال: إنما قتلته لله ولرسوله، فقال عمر : يا رسول الله قتله صهيب ، قال: كذلك يا أبا يحيى ؟ قال: نعم، فنزلت في [ ص: 103 ] المنتحل. وعن الحسن : نزلت في المنافقين. ونداؤهم بالإيمان: تهكم بهم وبإيمانهم; هذا من أفصح كلام وأبلغه في معناه قصد في "كبر" التعجب من غير لفظه كقوله: [من الطويل]:


...................... غلت ناب كليب بواءها



ومعنى التعجب: تعظيم الأمر في قلوب السامعين; لأن التعجب لا يكون إلا من شيء خارج عن نظائره وأشكاله، وأسند إلى أن تقولوا. ونصب "مقتا" على تفسيره، دلالة على أن قولهم ما لا يفعلون مقت خالص لا شوب فيه، لفرط تمكن المقت منه; واختير لفظ المقت لأنه أشد البغض وأبلغه. ومنه قيل: نكاح المقت، للعقد على الرابة، ولم يقتصر على أن جعل البغض كبيرا، حتى جعل أشده وأفحشه. و عند الله أبلغ من ذلك، لأنه إذا ثبت كبر مقته عند الله فقد تم كبره وشدته وانزاحت عنه الشكوك. وعن بعض السلف أنه قيل له: حدثنا، فسكت ثم قيل له: حدثنا; فقال: تأمرونني أن أقول ما لا أفعل فأستعجل مقت الله. في قوله: إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله عقيب ذكر مقت المخلف: دليل على أن المقت قد تعلق بقول الذين وعدوا الثبات في قتال الكفار فلم يفوا. وقرأ زيد بن علي : يقاتلون بفتح التاء. وقرئ: "يقتلون" "صفا" صافين أنفسهم أو مصفوفين "كأنهم" في تراصهم من غير فرجة ولا خلل "بنيان" رص بعضه إلى بعض ورصف. وقيل: يجوز أن يريد استواء نياتهم في الثبات حتى يكونوا في اجتماع الكلمة كالبنيان المرصوص. وعن بعضهم: فيه دليل على فضل القتال راجلا; لأن الفرسان لا [ ص: 104 ] يصطفون على هذه الصفة. وقوله: صفا كأنهم بنيان حالان متداخلتان.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث