الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

( 3355 ) مسألة قال : وإذا اشترى منه سلعة ، على أن يرهنه بها شيئا من ماله يعرفانه ، أو على أن يعطيه بالثمن حميلا يعرفانه ، فالبيع جائز . فإن أبى تسليم الرهن ، أو أبى الحميل أن يتحمل ، فالبائع مخير في فسخ البيع ، وفي إقامته بلا رهن ولا حميل الحميل : الضمين . وهو فعيل بمعنى فاعل ، يقال : ضمين ، وحميل ، وقبيل ، وكفيل ، وزعيم ، وصبير ، بمعنى واحد .

وجملة ذلك أن البيع بشرط الرهن أو الضمين صحيح ، والشرط صحيح أيضا ; لأنه من مصلحة العقد ، غير مناف لمقتضاه ، ولا نعلم في صحته خلافا إذا كان معلوما ، ولذلك قال الخرقي يعرفانه في الرهن والضمين معا

ومعرفة الرهن تحصل بأحد شيئين ; المشاهدة ، أو الصفة التي يعلم بها الموصوف ، كما في السلم . ويتعين بالقبض . وأما الضمين فيعلم بالإشارة إليه ، أو تعريفه بالاسم والنسب ، ولا يصح بالصفة بأن يقول : رجل غني . من غير تعيين ; لأن الصفة لا تأتي عليه . ولو قال : بشرط رهن أو ضمين . كان فاسدا ; لأن ذلك يختلف ، وليس له عرف ينصرف إليه بإطلاق . ولو قال : بشرط رهن أحد هذين العبدين . أو : يضمنني أحد هذين الرجلين . لم يصح ; لأن الغرض يختلف . فلم يصح مع عدم التعيين ، كالبيع . وهذا مذهب الشافعي . وحكي عن مالك وأبي ثور أنه [ ص: 246 ] يصح شرط الرهن المجهول ، ويلزمه أن يدفع إليه رهنا بقدر الدين ; لأنه وثيقة ، فجاز شرطها مطلقا ، كالشهادة

وقال أبو حنيفة إذا قال : على أن أرهنك أحد هذين العبدين . جاز ; لأن بيعه جائز عنده . ولنا ، أنه شرط رهنا مجهولا ، فلم يصح ، كما لو شرط رهن ما في كمه ، ولأنه عقد يختلف فيه المعقود عليه ، فلم يصح مع الجهل ، كالبيع ، وفارق الشهادة ، فإن لها عرفا في الشرع حملت عليه ، والكلام مع أبي حنيفة قد مضى في البيع ، فإن الخلاف فيهما واحد . إذا ثبت هذا فإن المشتري إن وفى بالشرط ، فسلم الرهن ، أو حمل عنه الحميل ، لزم البيع ، وإن أبى تسليم الرهن ، أو أبى الحميل أن يتحمل عنه ، فللبائع الخيار بين فسخ البيع وبين إمضائه والرضا به بلا رهن ولا حميل ، فإن رضي به لزمه البيع . وهذا قول الشافعي وأصحاب الرأي . ولا يلزم المشتري تسليم الرهن

وقال مالك وأبو ثور : يلزم الرهن إذا كان مشروطا في عقد البيع . ويجبر عليه المشتري . وإن وجده الحاكم دفعه إلى البائع ; لأن عقد البيع وقع عليه ، فأشبه الخيار

وقال القاضي : ما عدا المكيل والموزون يلزم فيه الرهن بمجرد العقد . وقد مضى الكلام معه في أول الباب . ولأنه رهن ، فلم يلزم قبل القبض ، كما لو لم يكن مشروطا في البيع ، أو كغير المكيل والموزون ، وإنما لزم الخيار والأجل بالشرط ، لأنه من توابع البيع ، لا ينفرد بنفسه ، والرهن عقد منفرد بنفسه ليس من التوابع ، ولأن الخيار والأجل يثبت بالقول ، ولا يفتقر إلى تسليم ، فاكتفي في ثبوته بمجرد القول ، بخلاف الرهن . وأما الضمين ، فلا خلاف في أنه لا يلزمه الضمان ، إذ لا يلزمه شغل ذمته وأداء دين غيره باشتراط غيره

ولو وعده بأنه يضمن ، ثم لم يفعل ، لم يلزم في الحكم ، كما لو وعده أنه يبيعه ، ثم أبى ذلك . ومتى لم يف المشتري للبائع بشرطه ، كان له الفسخ ، كما لو شرط صفة في الثمن ، فلم يف بها ، ولأنه أحد المتعاقدين ، فإذا لم يف بما شرط في العقد ، ثبت الخيار لصاحبه ، كالبائع إذا شرط المبيع على صفة ، فبان بخلافها .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث