الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 304 ] سورة النازعات

مكية، وهي خمس أو ست وأربعون آية [نزلت بعد النبأ]

بسم الله الرحمن الرحيم

والنازعات غرقا والناشطات نشطا والسابحات سبحا فالسابقات سبقا فالمدبرات أمرا يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة قلوب يومئذ واجفة أبصارها خاشعة يقولون أإنا لمردودون في الحافرة أإذا كنا عظاما نخرة قالوا تلك إذا كرة خاسرة فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة

أقسم سبحانه بطوائف الملائكة التي تنزع الأرواح من الأجساد، وبالطوائف التي تنشطها أي تخرجها. من نشط الدلو من البئر إذا أخرجها، وبالطوائف التي تسبح في مضيها، أي: تسرع فتسبق إلى ما أمروا به، فتدبر أمرا من أمور العباد مما يصلحهم في دينهم أو دنياهم كما رسم لهم.

غرقا إغراقا في النزع، أي: تنزعها من أقاصي الأجساد من أناملها وأظفارها أو أقسم بخيل الغزاة التي تنزع في أعنتها تغرق فيه الأعنة لطول أعناقها; لأنها عراب. والتي تخرج من دار الإسلام إلى دار الحرب من قولك: "ثور ناشط" إذا خرج من بلد إلى بلد، والتي تسبح في جريها فتسبق إلى الغاية فتدبر الغلبة والظفر، وإسناد التدبير إليها لأنها من أسبابه. أو أقسم بالنجوم التي تنزع من المشرق إلى المغرب. وإغراقها في النزع: أن تقطع الفلك كله حتى تنحط في أقصى الغرب، والتي تخرج من برج إلى برج، والتي تسبح في الفلك من السيارة فتسبق فتدبر أمرا من علم الحساب. وقيل: النازعات أيدي الغزاة، أو أنفسهم تنزع القسي بإغراق السهام، والتي تنشط الأوهاق والمقسم عليه محذوف، وهو "لتبعثن" لدلالة ما بعده عليه من ذكر القيامة. و يوم ترجف منصوب بهذا المضمر. و الراجفة الواقعة التي ترجف عندها الأرض والجبال، وهي النفخة الأولى: وصفت بما يحدث بحدوثها تتبعها الرادفة [ ص: 305 ] أي:: الواقعة التي تردف الأولى، وهي النفخة الثانية. ويجوز أن تكون الرادفة من قوله تعالى: قل عسى أن يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون [النمل: 72]. أي القيامة التي يستعجلها الكفرة استبعادا لها، وهي رادفة لهم لاقترابها. وقيل: الراجفة الأرض والجبال، من قوله: يوم ترجف الأرض والجبال [المزمل: 14]. والرادفة: السماء والكواكب; لأنها تنشق وتنتثر كواكبها على أثر ذلك. فإن قلت: ما محل تتبعها؟ قلت: الحال، أي: ترجف تابعتها الرادفة. فإن قلت: كيف جعلت يوم ترجف ظرفا للمضمر الذي هو لتبعثن، ولا يبعثون عند النفخة الأولى؟ قلت: المعنى: لتبعثن في الوقت الواسع الذي يقع فيه النفختان، وهم يبعثون في بعض ذلك الوقت الواسع، وهو وقت النفخة الأخرى. ودل على ذلك أن قوله: تتبعها الرادفة جعل حالا عن الراجفة. ويجوز أن ينتصب يوم ترجف بما دل عليه قلوب يومئذ واجفة أي: يوم ترجف وجفت القلوب واجفة شديدة الاضطراب، والوجيب والوجيف: أخوان خاشعة ذليلة. فإن قلت: كيف جاز الابتداء بالنكرة؟ قلت: قلوب مرفوعة بالابتداء و واجفة صفتها، و أبصارها خاشعة خبرها فهو كقوله: ولعبد مؤمن خير من مشرك [البقرة: 221]. فإن قلت: كيف صح إضافة الأبصار إلى القلوب؟ قلت: معناه أبصار أصحابها بدليل قوله: يقولون في الحافرة في الحالة الأولى، يعنون: الحياة بعد الموت. فإن قلت: ما حقيقة هذه الكلمة؟ قلت: يقال: رجع فلان في حافرته، أي: في طريقه التي جاء فيها فحفرها، أي: أثر فيها بمشيه فيها: جعل أثر قدميه حفرا، كما قيل: حفرت أسنانه حفرا: إذا أثر الآكال في أسناخها. والخط المحفور في الصخر. وقيل: حافرة، كما قيل: عيشة راضية، أي: منسوبة إلى الحفر والرضا، أو كقولهم: نهارك صائم، ثم قيل لمن كان في أمر فخرج منه ثم عاد إليه: رجع إلى حافرته، أي طريقته وحالته الأولى. قال [من الوافر]:


أحافرة على صلع وشيب؟! معاذ الله من سفه وعار

يريد: أرجوعا إلى حافرة؟ وقيل: النقد عند الحافرة، يريدون عند الحالة الأولى: وهي الصفقة. وقرأ أبو حيوة: "في الحفرة" والحفرة بمعنى: المحفورة. يقال: حفرت أسنانه [ ص: 306 ] فحفرت حفرا، وهي حفرة; وهذه القراءة دليل على أن الحافرة في أصل الكلمة بمعنى المحفورة. يقال: "نخر" العظم فهو نخر وناخر، كقولك: طمع فهو طمع وطامع; وفعل أبلغ من فاعل; وقد قرئ بهما: وهو البالي الأجوف الذي تمر فيه الريح فيسمع له نخير. و إذا منصوب بمحذوف، تقديره: أئذا كنا عظاما نرد ونبعث كرة خاسرة منسوبة إلى الخسران، أو خاسر أصحابها. والمعنى: أنها إن صحت فنحن إذا خاسرون لتكذيبنا بها، وهذا استهزاء منهم. فإن قلت: بم تعلق قوله: فإنما هي زجرة واحدة قلت: بمحذوف، معناه: لا تستصعبوها، فإنما هي زجرة واحدة; يعني: لا تحسبوا تلك الكرة صعبة على الله عز وجل، فإنها سهلة هينة في قدرته، ما هي إلا صيحة واحدة، يريد النفخة الثانية فإذا هم أحياء على وجه الأرض بعد ما كانوا أمواتا في جوفها، من قولهم: زجر البعير، إذا صاح عليه. والساهرة: الأرض البيضاء المستوية، سميت بذلك لأن السراب يجري فيها، من قولهم: عين ساهرة جارية الماء، وفي ضدها: نائمة. قال الأشعث بن قيس [من الطويل]:


وساهرة يضحي السراب مجللا     لأقطارها قد جبتها متلثما

أو لأن سالكها لا ينام خوف الهلكة. وعن قتادة: فإذا هم في جهنم.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث