الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة لو ضمن دين ميت بعد ما يعرفه ويعرف لمن هو فالضمان لازم ترك الميت شيئا أو لم يتركه

مسألة : قال الشافعي رضي الله عنه : " ولو ضمن دين ميت بعد ما يعرفه ويعرف لمن هو فالضمان لازم ترك الميت شيئا أو لم يتركه " .

قال الماوردي : وهذا كما قال ، إذا كان على الميت دين لم يسقط بموته سواء مات موسرا أو معسرا ، ويصح ضمانه عنه بعد موته سواء ترك وفاء أو لم يترك ، وقال أبو حنيفة : إذا مات معسرا سقط عنه دينه ولم يصح ضمانه عنه استدلالا بأن الحقوق تثبت في أحد محلين إما في ذمة أو عين والميت لا ذمة له فيثبت الدين فيها والمعسر ليس له عين مال يتعلق الحق بها فثبت أن دين الميت إذا كان معسرا ساقط لعدم محل يتعلق به ودليلنا عليه من وجهين :

أحدهما : أن دين الميت لا يسقط بإعساره .

والثاني : جواز ضمان دينه مع إعساره ، فأما الدليل على أن دين الميت لا يسقط بإعساره قوله صلى الله عليه وسلم نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه فكان على عمومه ولأن من أخذت ديونه من ماله لم تسقط عنه بإعساره كالحي ، ولأن من لزمه الدين إذا كان حيا لزمه إذا كان ميتا كالموسر ، ولأن موت المعسر مؤثر في تأخير الحق فلم يمنع من ثبوته كإعسار الحي ؛ لأن براءة المضمون عنه براءة للضامن ، ثم ثبت أن رجلا لو ضمن عن رجل مالا ثم [ ص: 455 ] مات المضمون عنه معسرا لم يبرأ الضامن ، فدل على أن الحق لازم للمضمون عنه لم يسقط عنه بموته معسرا .

وأما الدليل على أن ضمان دين الميت جائز مع إعساره فما روينا عن علي وأبي قتادة أنهما ضمنا دين ميتين امتنع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصلاة على جنائزهما لأنهما لم يتركا وفاء ، ولو تركا وفاء لم يمتنع من الصلاة عليهما بل قد كان الذي ضمن علي رضي الله عنه رجلا من أهل الصفة فلو كان الدين يسقط عنه بالموت لم يمتنع من الصلاة عليه ، ولأخبر بإبطال الضمان عنهما ولأن كل من صح ضمان دينه مع يساره صح ضمان دينه مع إعساره كالحي ، ولأن كل من صح ضمان دينه إذا كان حيا صح ضمان دينه إذا كان ميتا ، كالموسر ، ولأن كل ما لم يكن شرطا في ضمان الدين عن الحي لم يكن شرطا في ضمان الدين عن الميت ، أصله وجود عين المال المضمون لما لم يكن شرطا لم يكن اليسار به شرطا .

فأما الجواب عن استدلالهم بأنه لم يبق لدين الميت المعسر محل فهو أنه استدلال يدفعه إجماع لأنهم أجمعوا أن الميت يلقى الله تعالى يوم يلقاه بوجوب الدين عليه ويستحق صاحب الدين يوم القيامة عوضا به ، ولو كان قد سقط لما استحق ذلك عليه ، وإذا كان الإجماع على هذا حاصلا كان ما استدل به فاسدا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث