الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

سورة البينة

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 411 ] سورة [البينة]

مكية، وقيل: مدنية، وآياتها ثمان

نزلت بعد [الطلاق]

بسم الله الرحمن الرحيم

لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة رسول من الله يتلو صحفا مطهرة فيها كتب قيمة وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه

كان الكفار من الفريقين أهل الكتاب وعبدة الأصنام يقولون قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم: لا ننفك مما نحن عليه من ديننا ولا نتركه حتى يبعث النبي الموعود الذي هو مكتوب في التوراة والإنجيل، وهو محمد صلى الله عليه وسلم، فحكى الله تعالى ما كانوا يقولونه ثم قال: وما تفرق الذين أوتوا الكتاب يعني أنهم كانوا يعدون اجتماع الكلمة والاتفاق على الحق: إذا جاءهم الرسول، ثم ما فرقهم عن الحق ولا أقرهم على الكفر إلا مجيء الرسول صلى الله عليه وسلم; ونظيره في الكلام أن يقول الفقير الفاسق لمن يعظه: لست بمنفك مما أنا فيه حتى يرزقني الله الغنى، فيرزقه الله الغنى فيزداد فسقا، فيقول واعظه: لم تكن منفكا عن الفسق حتى توسر، وما غمست رأسك في الفسق إلا بعد اليسار: يذكره ما كان يقوله توبيخا وإلزاما. وانفكاك الشيء من الشيء. أن يزايله بعد التحامه به، كالعظم إذا انفك من مفصله; والمعنى: أنهم متشبثون بدينهم ولا يتركونه إلا عند مجيء البينة. و "البينة" الحجة الواضحة. و "رسول" بدل من البينة. وفي قراءة عبد الله : رسولا حالا من البينة "صحفا" قراطيس "مطهرة" من [ ص: 412 ] الباطل فيها كتب مكتوبات "قيمة" مستقيمة ناطقة بالحق والعدل; والمراد بتفرقهم: تفرقهم عن الحق وانقشاعهم عنه. أو تفرقهم فرقا; فمنهم من آمن، ومنهم من أنكر، وقال: ليس به; ومنهم من عرف وعاند. فإن قلت: لم جمع بين أهل الكتاب 2 والمشركين أولا ثم أفرد أهل الكتاب في قوله: وما تفرق الذين أوتوا الكتاب ؟ قلت: لأنهم كانوا على علم به لوجوده في كتبهم، فإذا وصفوا بالتفرق عنه كان من لا كتاب له أدخل في هذا الوصف وما أمروا يعني في التوراة والإنجيل إلا بالدين الحنيفي، ولكنهم حرفوا وبدلوا.

وذلك دين القيمة أي: دين الملة القيمة. وقرئ: وذلك الدين القيمة على تأويل الدين بالملة. فإن قلت: ما وجه قوله: وما أمروا إلا ليعبدوا الله ؟ قلت: معناه: وما أمروا بما في الكتابين إلا لأجل أن يعبدوا الله على هذه الصفة. وقرأ ابن مسعود : "إلا أن يعبدوا"، بمعنى: بأن يعبدوا. قرأ نافع: "البريئة" بالهمز; والقراء على التخفيف. والنبي، والبرية: مما استمر الاستعمال على تخفيفه ورفض الأصل. وقرئ: خيار البرية جمع خير، كجياد وطياب: في جمع جيد وطيب.

عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من قرأ [لم يكن] كان يوم القيامة مع خير البرية مساء ومقبلا ".

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث