الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة التوكيل من كل موكل من رجل وامرأة تخرج أو لا تخرج بعذر أو غير عذر

مسألة : قال المزني رضي الله عنه : " والتوكيل من كل موكل من رجل وامرأة تخرج أو لا تخرج بعذر أو غير عذر " .

قال الماوردي : اعلم أن الكلام في هذه المسألة يشتمل على فصلين :

أحدهما : في الخلاف المتعلق بها .

والثاني : في شرح المذهب فيها .

فأما الخلاف المتعلق بها فتقديمه أولى ليتمهد عليه المذهب مشروحا والخلاف فيها في فصلين :

أحدهما : أن المرأة يجوز أن توكل في المخاصمة خفرة كانت أو برزة ، وقال أبو حنيفة : يجوز للخفرة التي لا تبرز أن توكل ولا يجوز للبرزة التي تظهر للناس أن توكل .

والثاني : أن الرجل يجوز أن يوكل في المخاصمة حاضرا كان أو غائبا ، معذورا كان أو غير معذور .

وقال أبو حنيفة : يجوز للغائب والحاضر المعذور أن يوكل ، ولا يجوز للحاضر غير المعذور أن يوكل .

واستدل أبو حنيفة عليها لتقارب الخلاف بينهما بقوله تعالى : وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون [ النور : 48 ] ومن امتنع عن الحضور بالوكالة كان معرضا عن الإجابة .

وبما روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب في عهده إلى أبي موسى الأشعري : آس بين الناس في وجهك وعدلك ومجلسك ، وفي مقابلة الخصم بالوكيل عدم المساواة بين الخصمين ولأن حضور الخصم حق من حقوق المدعي بدلالة ما يستحقه من ملازمة للخصومة ومنعه من اشتغاله ، وفي امتناعه عن الحضور بالتوكيل إسقاط لحق المدعي من الحضور ولأن جواب الدعوى مستحق على المدعى عليه وقد يكون الجواب تارة إقرارا وتارة [ ص: 503 ] إنكارا والوكيل يقوم مقامه في الإنكار دون الإقرار ، فلم يجز أن يبطل بالتوكيل حقه في أحد الجوابين ، وما قد يستحقه من اليمين التي لا ينوب الوكيل عنه فيها ، ولأن الوكيل فرع لموكله كالشهادة على الشهادة هي فرع على شهود الأصل فلما لم يجز للحاكم أن يسمع شهود الفرع إلا بعد العجز عن شهود الأصل وجب ألا يقتنع بالوكيل إلا بعد العجز عن الموكل .

ولأن الوكيل نائب عن موكله كالوصي والولي على اليتيم فلما ثبتت الولاية لعجز المولى عليه وجب أن تصح الوكالة لعجز الموكل .

ودليلنا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سمع دعوى حويصة ومحيصة على يهود خيبر أنهم قتلوا عبد الله بن سهل نيابة عن عبد الرحمن بن سهل ووليه كان حاضرا فما أنكر دعواهم له مع حضوره فلو كانت وكالة الحاضر غير جائزة لأنكرها حتى يبتدئ الولي بها ، ألا تراه أنكر على محيصة حين ابتدأ بالكلام قبل حويصة وقال له كبر كبر وليس تقديم الأكبر بواجب وإنما هو أدب فكيف يكف عن إنكار ما هو واجب ؟

وروي أن علي بن أبي طالب رضوان الله عليه وكل عقيلا أخاه عند عمر بن الخطاب ولعله عند أبي بكر رضي الله عنهما وعلي كان حاضرا ووكل أيضا عبد الله بن جعفر حين أسن عقيل عند عثمان بن عفان وكان علي حاضرا فكان ذلك منهم إجماعا على وكالة الحاضر ، ولأن كل من صح توكيله إذا كان غائبا أو مريضا صح توكيله وإن كان حاضرا صحيحا كالتوكيل في العقود واستخراج الديون ولأن كل من صح توكيله في العقود مع الغيبة صح توكيله مع الحضور كالمريض والمسافر ولأنه شرط في صحته لا يختلف بمرض العاقد وصحته وحضوره وغيبته كسائر العقود ، ولأن مقصود الوكالة إنما هو معونة من كان ضعيفا أو صيانة من كان مهيبا وهذا المعنى موجود في غير المعذور كوجوده في المعذور .

فأما جوابه عن الآية فمن وجهين :

أحدهما : أن من وكل عن نفسه لم يكن معرضا عن الإجابة .

والثاني : أنه دعا إلى الدين وذلك مما لا يصح فيه التوكيل ، وأما الجواب عن قول عمر رضي الله عنه فهو أن لكل واحد منهما الوكالة فلم يكن فيه إبطال التساوي .

وأما الجواب عن قولهم إن حضور المدعى عليه من حقوق المدعي فهو غير صحيح لأن المدعى عليه لو خرج من الدعوى بغير حضور سقطت المطالبة عنه ولو حضر من غير [ ص: 504 ] خروج لم تسقط عنه فثبت أن حق المدعي في الخروج في الدعوى لا في حضور المدعى عليه ولا يجوز للحاكم ولا للمدعي قطعه عن اشتغاله إذا خرج من الدعوى أو وكل .

وأما الجواب عن قولهم إن الجواب قد يكون إقرارا فهو من تخرج في دينه بالإقرار مع حضوره كان متخرجا بالخروج من الحق المدعى عليه .

وأما الجواب عن استدلالهم بالشهادة على الشهادة فهو جمع بغير معنى ثم الفرق بينهما من وجهين :

أحدها : أنه لما لم يجز للحاكم أن يسمع شهود الفرع برضا الخصم إذا كان قادرا على شهود الأصل وإن جاز أن يسمع من الوكيل برضا الخصم مع زوال العذر دل على اعتبار الضرورة في الشهادة على الشهادة وأنه لا اعتبار بالضرورة في الوكالة .

والثاني : أن الحاكم لا يجوز أن يحكم بالشهادة على الشهادة إلا بعد الكشف عن أحوال الشهود فما لم يضطر إليها لم يكلف سماعها .

ويجوز له أن يسمع من الخصم ولا يكشف عن حاله فجاز سماعه ممن لم يضطر إلى السماع منه .

وأما استدلالهم بالوصي والولي فذلك لأنه نائب عن من لم يختره فلم يجز إلا مع الضرورة ، والوكيل نائب عن من اختاره فجاز ارتفاع الضرورة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث