الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة لا يجوز للوكيل ولا الوصي أن يشتري من نفسه

مسألة : قال المزني رضي الله عنه : " ولا يجوز للوكيل ولا الوصي أن يشتري من نفسه " .

قال الماوردي : اعلم أن النيابة في البيع والشراء قد تكون في أربعة أوجه :

أحدها : من جهة النسب وهو الأب والجد على ابنه الطفل .

والثاني : من جهة الحكم وهو للحاكم أو أمينه على المولى عليه لصغر أو سفه .

والثالث : من جهة الوصية وهو وصي الأب والجد على الطفل .

والرابع : من جهة الوكالة وهو وكيل الموكل الرشيد .

فاختلف الفقهاء هل يجوز لهؤلاء أن يبيعوا لأنفسهم ما لهم بيعه ويشتروا من أنفسهم ما لهم شراؤه على أربعة مذاهب :

أحدها وهو مذهب مالك والأوزاعي : أنه يجوز لجميعهم أن يبيعوا على أنفسهم ما لهم بيعه ويشتروا من أنفسهم .

والمذهب الثاني وهو قول زفر بن الهذيل أنه لا يجوز لجميعهم أن يبيعوا على أنفسهم ولا أن يشتروا من أنفسهم .

والمذهب الثالث وهو قول أبي حنيفة : أنه يجوز ذلك لهم إلا الوكيل وحده .

والمذهب الرابع : وهو مذهب الشافعي أنه لا يجوز ذلك لجميعهم إلا الأب وحده ، والجد مثله .

واستدل من ذهب إلى جوازه لجميعهم بأن المقصود من البيع حصول الثمن وفي [ ص: 537 ] الشرى حصول المشترى ولذلك لم يلزم ذكر من له البيع والشرى بخلاف النكاح ، فلم يقع الفرق بين حصول الثمن من النائب وغيره لحصول المقصود في الحالين ، وقياسه على الأب بعلة أن كل من جاز له بيع مال غيره جاز له بيعه على نفسه كالأب .

واستدل من منع جوازه لجميعهم بأن الإنسان مجبول على تغليب حظ نفسه على حظ غيره ، والنائب مندوب إلى طلب الحظ لمستنيبه ، فإذا باع من نفسه انصرف بجبلة الطبع إلى حظ نفسه فصار المقصود بالنيابة معدوما فلم يجز ، وقياسا على الوكيل لأنه نائب في العقد عن غيره فلم يجز أن يعقد مع نفسه كالوكيل .

واستدل من منع منه للوكيل وحده وأجاز لمن سواه بأن نيابة الوكيل عن جائز الأمر فكان مأذونا له من غير ولاية فصار أنقص حالا من ذي الولاية فجاز للولي مبايعة نفسه لقوة سببه كالأب ، ولم يجز لغير ذي الولاية من الوكيل مبايعة نفسه لضعف سببه كالأجنبي .

ودليلنا أن غير الأب لا يجوز له مبايعة نفسه هو ما روي أن رجلا أوصى إلى رجل بوصية فأراد الوصي بيع فرس من التركة على نفسه فسأل عبد الله بن مسعود عن جوازه فقال له : لا ، وليس نعرف له مخالفا من الصحابة ، ولأن جبلة الطبع تصرفه عن حظ غيره إلى حظ نفسه ، ولأن كل من كانت ولايته بغيره لم يكن له مبايعة نفسه كالوكيل .

ودليلنا على أن الأب يجوز له مبايعة نفسه هو أن الأب مجبول بحنوة الأبوة وشدة الميل والمحبة على طلب الحظ لولده والشح على نفسه في الجمع والاستكثار لولده ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : الولد مبخلة محزنة مجبنة فانتفت التهمة عنه في مبايعة نفسه وهذا المعنى مفقود فيمن عداه فصار هذا الحكم لاختصاصه بمعناه مقصورا عليه منتفيا عمن سواه ، وهذا دليل وانفصال فلو وكل الابن البالغ أباه في بيع سلعة فاختلف أصحابنا هل يجوز له بيعها على نفسه أم لا ؟ على وجهين :

أحدهما : يجوز كما لو كان في حجره وتغليبا لحكم الأبوة .

والثاني : لا يجوز لأن ارتفاع الحجر يقتضي تغليب الوكالة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث