الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة من باع بما لا يتغابن الناس بمثله فبيعه مردود

مسألة : قال المزني رضي الله عنه : " ومن باع بما لا يتغابن الناس بمثله فبيعه مردود لأن ذلك تلف على صاحبه فهذا قول الشافعي ومعناه " .

قال الماوردي : وهذا صحيح .

وللموكل فيما أذن له ببيعه حالتان : حالة إطلاق وحالة تقييد .

فأما حالة الإطلاق فهو أن يأذن لوكيله في البيع إذنا مطلقا من غير أن يقيده بشرط أو على صفة ، فعلى الوكيل في بيعه ثلاثة شروط :

[ ص: 539 ] أحدها : أن يبيعه بغالب نقد البلد ، فإن عدل إلى غيره لم يجز .

والشرط الثاني : أن يبيعه بثمن مثله ، فإن باعه بما لا يتغابن الناس بمثله لم يجز .

والشرط الثالث : أن يبيعه بثمن حال ، فإن باعه بمؤجل لم يجز .

وقال أبو حنيفة : هذه الشروط الثلاثة في بيع الوكيل غير معتبرة ، فإن باعه بغير نقد البلد وبما لا يتغابن الناس بمثله وإلى أجل كان بيعه نافذا ولموكله لازما استدلالا بأن إطلاق الإذن يشتمل على عموم البيع ، وتخصيص المطلق لا يكون إلا بدليل كالمطلق من عموم الكتاب والسنة ، فلما كان اسم البيع ينطلق على البيع بغير نقد البلد وبما لا يتغابن الناس به وعلى المؤجل وجب أن يصح لأنه عقد مأذون فيه كما لو باعه بنقد البلد وبثمن المثل وبالمعجل ثم استدل على جواز البيع بغير نقد البلد بأنه بيع بجنس الأثمان فصح كالمبيع بنقد البلد .

واستدل على جوازه بأقل من ثمن المثل بأن كل ما جاز ببيع الموكل به جاز بيع الوكيل المطلق به ، قياسا على ثمن المثل ، واستدل على جوازه إلى أجل بأن الأجل مدة ملحقة بالعقد فجاز أن يملكها الوكيل قياسا على خيار الثلاث .

وهذا خطأ كله والدليل على ما قلنا في الشرط الأول وهو أن بيعه بغير نقد البلد لا يجوز هو أنه لما لم يصح من الوكيل في الشراء أن يشتري بغير نقد البلد لم يصح من الوكيل في البيع أن يبيع بغير نقد البلد ، وتحريره أنه عقد معاوضة بوكالة مطلقة فوجب أن لا يصح بغير نقد البلد قياسا على الشراء .

ولأن كل جنس لا يجوز للوكيل أن يبتاع به لم يجز للوكيل أن يبيع به قياسا على البيع بغير جنس الأثمان وبالمحرمات .

فعلى هذا لو كان غالب نقد البلد دراهم لم يجز بيعه بالدنانير .

ولو كان كلا النقدين سواء ، وليس أحدهما غالبا لزم الوكيل بيعها بأحظهما للموكل ، فإن استويا كان حينئذ مخيرا في بيعه بأيهما شاء .

فإن باعه بكلا النقدين من الدراهم والدنانير ، فإن كان في عقدين صحا جميعا إذا كان مما يجوز تفريق الصفقة في بيعه .

وإن كان في عقد واحد فعلى وجهين :

أحدهما : يجوز الجمع بين النقدين كما جاز إفراد كل واحد من النقدين .

والثاني : لا يجوز لأن غالب البياعات تتناول جنسا واحدا من الأثمان ، فلم يجز أن يعدل إلى غالبها ، وبالله التوفيق .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث