الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب في الإيلاء وما يتعلق به

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 196 ] ( باب ) . الإيلاء : يمين مسلم مكلف ، يتصور وقاعه ، وإن مريضا . [ ص: 197 ] بمنع وطء زوجته ، وإن تعليقا ، غير المرضعة . [ ص: 198 ] وإن رجعية أكثر من أربعة أشهر ، أو شهرين للعبد .

التالي السابق


( باب ) في الإيلاء وما يتعلق به

( الإيلاء ) بكسر الهمز وسكون المثناة تحت ممدودا أي حقيقته شرعا ( يمين ) أي حلف باسم الله تعالى أو غيره جنس شمل المعرف وغيره من الأيمان وإضافته لزوج ( مسلم ) فصل مخرج حلف غير الزوج ، ونعته بمسلم فصل مخرج حلف الزوج الكافر لقوله تعالى { فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم } إذ الغفران والرحمة بالفيئة يخصان المسلم سواء كان حرا أو رقا ، ونعته ب ( مكلف ) أي ملزم بما فيه كلفة ، وهو البالغ العاقل فصل مخرج حلف الصبي والمجنون والمغمى عليه والنائم والسكران بحلال والسكران بحرام مكلف لإدخاله على نفسه ، وكذا الأخرس بإشارة مفهمة أو كتابة والأعجمي بلغته ، والسفيه ونعته بجملة ( يتصور ) بفتحتين أي يمكن ، وبضم ففتح أي يعقل ( وقاعه ) بكسر الواو وبالقاف أي وطؤه فصل مخرج حلف المجبوب ومقطوع الذكر والشيخ الفاني والعنين إن كان صحيحا .

بل ( وإن ) كان الزوج الموصوف بما تقدم ( مريضا ) ظاهره ولو منع مرضه الوطء ، ومثله لابن الحاجب . ابن عبد السلام ظاهر المذهب مثل ما ذكره المصنف من لحوق الإيلاء المريض مطلقا ورأى بعضهم أنه لا تنعقد الإيلاء على العاجز عن الوطء ، قال : ألا ترى أن الصحيح إذا آلى ثم مرض فلا يطالب بالفيئة بالجماع ا هـ فدل على أن التفصيل في المريض خلاف ظاهر المذهب ابن عرفة وإيلاء المريض لازم أو إن لم يقيده بمدة [ ص: 197 ] مرضه وإلا فلا الأول نص ابن شاس وغيره ، والثاني نص ابن رشد وغيره ، وقول ابن عبد السلام خالف في إيلاء المريض بعض الشيوخ ورأى بعضهم أنه إذا كان عاجزا عن الجماع فلا معنى لانعقاد اليمين في ذلك لأنه لو آلى صحيحا ثم مرض لما طولب بالفيئة بالجماع ، ظاهره وجود الخلاف فيه ، ولم أعرفه . ومعنى قول من أسقطه إنما هو إذا قيد يمينه بمدة مرضه حسبما مر ونص عليه الجلاب ا هـ .

وصلة يمين ( بمنع ) أي على ترك ( وطء زوجته ) وخرج بمنع الوطء حلف الزوج المسلم المكلف الذي يمكن وقاعه على غير ترك الوطء وبإضافة الوطء إلى الزوجة حلفه على ترك وطء أم ولده وسريته إن كان حلفه تنجيزا ، بل ( وإن ) كان ( تعليقا ) يصح كونه مبالغة في يمين وفي منع الوطء ، وفي زوجته لأن اليمين تكون منجزة ومعلقة ، ومنع الوطء كذلك والزوجة كذلك ، كقوله لأجنبية إن تزوجت فلانة فوالله لا أطؤها سنة مثلا . طفي الظاهر أن مراده التعليق المختلف فيه وهو التعليق على التزويج ظاهرا أو حكما كقوله لأجنبية : إن تزوجتك فوالله لا أطؤك ، أو قوله لها ابتداء : والله لا أطؤك فإذا تزوجها لزمه الإيلاء في الصورتين على المشهور ، وهو مذهب المدونة خلافا لابن نافع محتجا بقوله تعالى { للذين يؤلون من نسائهم } ا هـ .

فحق المصنف التعبير بلو دفعا للخلاف المذكور ووصف زوجته ب ( غير المرضعة ) فلا إيلاء عليه بحلفه لا يطأ زوجته المرضعة حتى تفطم ولدها عند مالك رضي الله تعالى عنه خلافا لأصبغ .

اللخمي هو أقيس لأن لها حقا في الوطء ، ومحل الأول إن قصد مصلحة الولد أو لم يقصد شيئا ، فإن قصد الامتناع من وطئها فمؤل من يوم اليمين سواء كانت صيغته لا يطؤها ما دامت ترضع أو حتى تفطمه أو مدة الرضاع أو الحولين ، فإن مات قبل تمام مدة رضاعه حل له وطؤها في الصيغة الأولى لانحلال الإيلاء عنه كالثانية والثالثة إلا أن ينوي الزمن فيهما فكالرابعة فعليه الإيلاء إن بقيت مدته بعد موته للحر أو للعبد وإلا فلا إن كانت الزوجة التي حلف على ترك وطئها غير مطلقة . [ ص: 198 ] بل ( وإن ) كانت مطلقة ( رجعية ) لأنها كالزوجة غير المطلقة ، ورده اللخمي بأنها لا حق لها في الوطء والأجل إنما يكون لمن لها حق فيه ، ولا خلاف أن الرجعة حق له لا عليه فكيف يجبر عليها ليطأ أو يطلق عليه طلقة أخرى .

وأجاب ابن محرز وغيره بأنه إنما لزم الإيلاء خيفة أن يكون ارتجعها وأخفى ا هـ ، أو أنه مبني على إباحة وطء الرجعية إلى تمام عدتها فهو مشهور مبني على ضعيف ، فإن انقضت عدتها قبل تمام الأجل فلا شيء عليه . ابن عرفة فيها من آلى من مطلقة رجعية وقف لأربعة أشهر قبل مضي عدتها . اللخمي الوقف بعيد إذ لا حق لها في الوطء ، وذكره ابن محرز . وأجاب بأنه لخوف كونه ارتجعها وكتم وفيها من آلى من امرأته بعد البناء ثم طلقها واحدة وحل أجل إيلائها في العدة وقف .

اللخمي الصواب عدم وقفه لحجته أنه إنما حقها في طلاقه وقد عجله ( أكثر من أربعة أشهر ) للحر صلة لمنع الوطء مخرجة حلف زوج مكلف يتصور وقاعه بمنع وطئه زوجته أربعة أشهر فليس إيلاء .

وروى عبد الملك أنه إيلاء تمسك المشهور بما تعطيه الفاء في قوله تعالى { فإن فاءوا } فإنها تستلزم تأخر ما بعدها عما قبلها فتفيد أن الفيئة تطلب بعد تمام أربعة الأشهر ، وبأن أن تصير الماضي مستقبلا والمقابل بأنها لمجرد السببية ، ويحذف " كان " بعد أن وبقوله تعالى { للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر } .

ويجاب بأن تحديد التربص بأربعة أشهر يفيد أن الإيلاء على أكثر منها ، إذ لا جائز كونه على أقل منها ، وهذا ظاهر ، ولا عليها ، وإلا لقيل للذين يؤلون من نسائهم أربعة أشهر تربصها والله أعلم .

ابن عرفة وفي كون الترك مشروطا بأن مدته أكثر من أربعة أشهر ولو بيوم أو بزيادة عليه مؤثرة ثالثها بما زاد على أجل التلوم ورابعها بالأربعة فقط .

( و ) أكثر من ( شهرين للعبد ) وظاهره كالمدونة ولو بيوم فيهما ، وبه صرح في الموازية والمدنية التي ألفها عبد الرحمن الأندلسي بالمدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة [ ص: 199 ] والسلام ثم نقلها إلى المغرب فرواها عنه أخوه عيسى بن دينار ، ثم عرضها على ابن القاسم فرد فيها مسائل . وقال عبد الوهاب " لا بد من زيادة بينة على الأربعة أو الشهرين . ابن عرفة . وفي كون أمده للعبد أزيد من شهرين أو كالحر ، وصوب بأن ضرر ترك الوطء في العبد والحر سواء . وقولاللخمي قال مالك رضي الله تعالى عنه أمده للعبد شهران يوهم عدم اعتبار الزيادة ، ومثله لفظ ابن القصار والطرطوشي .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث