الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


باب المواقيت

مسألة : فيما رواه مسلم عن النواس بن سمعان قال : ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الدجال إلى أن قال : قلنا : يا رسول الله ، وما لبثه في الأرض ؟ قال : ( أربعون يوما يوم كسنة ، ويوم كشهر ، ويوم كجمعة ، وسائر أيامه كأيامكم ) قلنا : يا رسول الله ، فذلك اليوم الذي كسنة تكفينا فيه صلاة يوم ؟ قال : لا ، اقدروا له .

وفي حديث آخر نقله القرطبي في التذكرة : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وأن أيامه أربعون سنة ، السنة كنصف السنة ، والسنة كالشهر ، والشهر كالجمعة ، وآخر أيامه كالشررة يصبح أحدكم على باب المدينة ، فلا يبلغ بابها الآخر حتى [ ص: 34 ] يمسي فقيل : يا رسول الله ، كيف نصلي في تلك الأيام القصار ؟ قال : ( تقدرون فيها الصلاة ، كما تقدرونها في هذه الأيام الطوال ، ثم صلوا ) .

وفي حديث آخر عن أسماء بنت يزيد بن السكن قال النبي صلى الله عليه وسلم : يمكث الدجال في الأرض أربعين سنة ، السنة كالشهر ، والشهر كالجمعة ، والجمعة كاليوم ، واليوم كاضطرام السعفة في النار .

فهل هذه الأحاديث كلها متساوية في الصحة أم لا ؟ وهل بينها تناف أم لا ؟ وهل ليالي تلك الأيام كلها على حالة واحدة كليالينا هذه ؟ أم تتبع كل ليلة يومها في الطول وغيره ؟ وما كيفية التقدير في القصر ؟ هل هو مثلا إذا كان اليوم ثلاثة درج فتكون حصة الصبح درجة والظهر كذلك والعصر كذلك أم لا ؟ وهل صلاة المغرب والعشاء يجري عليهما حكم القصر أم لا ؟ لأنهما ليستا في النهار المتصف بتلك الصفات ؟ وإذا لم يسع الوقت المقسط تلك الصلاة فهل تجب عليه ، ثم يقضيها ؟ وما كيفية إقامة الجمعة في هذا اليوم القصير ؟ وما طريق حساب مدة مسح الخف ؟ وما كيفية الصوم ، وكذا سائر الأحكام المتعلقة بالأيام ؟ وهل الزيادة في الطول كما في الحديث الأول مختصة بالثلاثة الأيام الأولى ، أو السبعة والثلاثون متساوية الطول ؟ وعلى ظاهر الحديثين الآخرين هل يختص القصر باليوم الأخير أم يكون القصر فيه ، وفي غيره أم لا ؟ وهل التقدير مختص بصلاتي الظهر والعصر فقط ، والصبح مختص بما بعد الفجر إلى طلوع الشمس ، أم يشاركهما ، أم كيف الحال ؟ وهل ما ورد عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان ، فتكون السنة كالشهر ، والشهر كالجمعة ، والجمعة كاليوم ، واليوم كالساعة ، والساعة كالضرب بالنار ) داخل في حديث الدجال أم هو حديث برأسه في غير زمن الدجال ؟

الجواب : ليست هذه الأحاديث متساوية في الصحة ، بل الأول منها هو الصحيح والثاني أخرجه ابن ماجه من حديث أبي أمامة ، وقد نبه الحفاظ على أنه وقع فيه تخبيط في إسناده ومتنه وهذه الجملة مما وقع فيه التخبيط ، فقد تضافرت الأخبار بأن مدة لبثه في الأرض أربعون يوما لا أربعون سنة ، ورد ذلك أيضا من حديث جابر بن عبد الله ، وعبد الله بن عمر ، وجنادة بن أبي أمية عن رجل من الأنصار وغيرهم .

وقد روى الطبراني عن عبد الله بن عمرو مرفوعا : " يخرج الدجال في أمتي ، فيمكث أربعين ، لا أدري [ ص: 35 ] أربعين يوما ، أو أربعين شهرا ، أو أربعين عاما " الحديث ، قال الحافظ ابن حجر في شرح البخاري : والجزم بأنها أربعون يوما مقدم على الترديد ، وقد أخرجه الطبراني أي من وجه آخر عن عبد الله بن عمرو بلفظ : " فيمكث في الأرض أربعين صباحا " .

وجزم الحافظ ابن كثير في تاريخه أيضا بذلك ، وقال : معدل إقامته سنة وشهران ونصف ، وأما الليالي ، وأما كيفية التقدير إذا كان اليوم مثلا ثلاث درج ، فلا تتساوى فيه حصة الصبح والظهر والعصر ، بل يتفاوت على حسب تفاوتها الآن ، فإنه من أول وقت الصبح الآن إلى وقت الظهر أكثر من أول وقت الظهر إلى وقت العصر ، ومن أول وقت الظهر إلى وقت العصر أكثر من أول وقت العصر إلى وقت المغرب فيقدر إذ ذاك على حسب هذا التفاوت ويجعل وقت الظهر بعد نصف النهار ، وهو بعد مضي أكثر من درجة ونصف إذا كان الثلاث درج مقدرة من طلوع الفجر ، وإن كانت من طلوع الشمس فبعد مضي درجة ونصف .

وأما صلاة المغرب والعشاء فيقدران في الأيام الطوال ، الذي كسنة والذي كشهر والذي كجمعة ، فيصلي في اليوم الذي كسنة ألف صلاة وثمانمائة صلاة وثلثمائة وستين صبحا وثلثمائة وستين ظهرا وثلثمائة وستين عصرا وثلثمائة وستين مغربا وثلثمائة وستين عشاء مقدار كل صلاة بوقت محدود بالدرج والدقائق على حساب أهل الميقات ، غاية الأمر أن وقت الليل صار نهارا .

وأما في الأيام القصار ، فإن كل الليل على طوله المعتاد فواضح وإن تبع النهار في القصر نظر إن وسع اليوم والليلة الخمس الصلوات وجبت ، وإن لم يسع فمقتضى حديث ابن ماجه أنها تجب ، وقد سئل متأخرو أصحابنا عن بلاد يطلع فيها الفجر عقب ما تغرب الشمس فأجاب البرهان الفزاري بوجوب العشاء عليهم ويقضونها ، وأفتى معاصروه بأنها لا تجب عليهم لعدم سبب الوجوب في حقهم ، وهو الوقت ، فعلى ما أفتى به الفزاري لا إشكال وعلى ما أفتى به غيره قد يقال : هذا نص فيقدم على القياس ، وقد يقال : إن الحديث لم يصح وهذه الجملة مما غلط فيه الراوي كما تقدم ، وقد يقال : إن هذا من نص النبي صلى الله عليه وسلم دليل على أن الأيام والليالي حينئذ لا بد أن تتسع بقدر ما تؤدى فيها الصلوات الخمس ، ولا تقصر عن ذلك ، وهذا الاحتمال عندي أرجح ، بل متعين . وأما إقامة الجمعة في اليوم القصير فواضح مما تقدم تقام بعد [ ص: 36 ] مضي نصف حصة النهار . وأما حساب مدة الخف ففي الأيام الطوال تقدر : يوم وليلة ، أو ثلاثة أيام ولياليها كما حسبت أوقات الصلاة وينزع عند مضي جانب من اليوم بقدر ذلك ، وفي الأيام القصار يوم كامل بليلته ، أو ثلاثة بلياليها وإن قصرت جدا وينزع بعد مضيها .

وأما الصوم ففي اليوم الذي كسنة يعتبر قدر مجيء رمضان بالحساب ويصوم من النهار جزءا بقدر نهار بالحساب أيضا ويفطر ، ثم يصوم وهكذا ، وفي اليوم الذي كشهر يصوم اليوم كله عن الشهر ويفطر فيه بقدر ما كان يجيء الليل بالحساب ، وفي الأيام القصار يصوم النهار فقط ويحسب عن يوم كامل وأن يفطر إذا غربت الشمس ويمسك إذا طلع الفجر وهكذا ، ولا يضر قصره .

ويقاس بذلك سائر الأحكام المتعلقة بالأيام من الاعتكاف والعدد والآجال ونحوها ، وظاهر الحديث الصحيح أن الطول مختص بالأيام الأول الثلاثة والباقي متساوية كأيامنا ، وظاهر حديث ابن ماجه عكس ذلك ، وهو قصر أيامه وجمعه وشهوره وعامه بالنسبة إلى ما هو الآن ، ولهذا ترجح أن ذلك وهم من الراوي وتخبيط منه ، ويمكن الجمع بأن الأمرين موجودان ، ففي أيام ما هو زائد في الطول كسنة وشهر وجمعة ، وما هو مساو لأيامنا الآن ، وما هو قصير عنها إلى أن ينتهي آخر أيامه إلى أن يكون كاضطرام السعفة في النار ، وهذا الجمع عندي أفيد من تخطئة الرواية بالكلية وعلى هذا ، فلا يختص القصر باليوم الأخير ، بل يكون فيما قبله أيضا ، ولا يختص التقدير بالظهر والعصر ، بل يشاركهما الصبح في الأيام الطوال ، وفي القصار تصلى عند طلوع الفجر بلا تقدير .

وأما حديث : " لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان " إلى آخره ، فهو حديث مستقل غير حديث الدجال ، وقد اختلف فيه فقيل : هو على حقيقته نقص حسي ، وأن ساعات النهار والليل تنقص قرب قيام الساعة ، وقيل : هو معنوي وأن المراد سرعة مر الأيام ونزع البركة من كل شيء حتى من الزمان وهذا ما رجحه النووي تبعا للقاضي عياض وفيه أقوال غير ذلك ، والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث