الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة لو حل زقا أو راوية فاندفقا

مسألة : قال الشافعي رضي الله عنه : " ولو حل زقا ، أو راوية فاندفقا ضمن إلا أن يكون الزق ثبت مستندا فكان الحل لا يدفع ما فيه ثم سقط بتحريك ، أو غيره فلا يضمن ؛ لأن الحل قد كان ، ولا جناية فيه " .

قال الماوردي : وصورتها في زق قد أوكي على ما فيه فحل الوكاء حتى ذهب ما في الزق فلا يخلو حال ما فيه من ثلاثة أقسام :

أحدها : أن يكون من أرق المائعات قواما وأسرعها ذهابا كالخل والزيت واللبن فهذا على ضربين :

أحدهما : أن يكون فم الزق منكسا فعليه ضمان ما فيه ؛ لأن الزيت مع التنكيس لا يبقى فكان هو المتلف له .

والضرب الثاني : أن يكون فم الزق مستعليا فهذا على ضربين :

أحدهما : أن يميل في الحال فيذهب ما فيه فعليه ضمانه ؛ لأنه متماسك بوكائه فإذا حله كان بالحل تالفا وليس كالدابة إذا حلها ؛ لأن للدابة اختيارا .

والضرب الثاني : أن يلبث بعد الحل متماسكا زمانا ثم يميل فيسقط فلا ضمان عليه وسواء كان الزق مستندا ، أو غير مستند ؛ لأنه قد كان باقيا بعد الحل فعلم أن تلفه بغير الحل من هبوب ريح ، أو تحريك إنسان .

والقسم الثاني : أن يكون ما في الزق ثخين القوام بطيء الذهاب كالدبس الثخين [ ص: 211 ] والعسل القوي فإذا حل وكاءه فاندفع يسيرا بعد يسير حتى ذهب ما فيه فإن كان مستعلي الرأس فلبث زمانا لا يندفع شيئا منه ثم اندفع فلا ضمان وإن اندفع في الحال ، أو كان منكسا ، نظر ، فإن لم يقدر مالكه على استدراك سده حتى ذهب ما فيه فعليه الضمان ، وإن قدر على الاستدراك لما فيه فإن استدركه بالسد لزمه ضمان ما خرج قبل السد وإن تركه المالك مع القدرة على استدراك سده ففي الضمان وجهان :

أحدهما : عليه الضمان كما لو خرق ثوبه وهو قادر على منعه ، أو قتل عبده وهو قادر على دفع لزمه الضمان ، ولا تكون قدرة المالك على الدفع اختيارا ، أو إبراء كذلك هاهنا .

والوجه الثاني : لا ضمان عليه .

والفرق بينهما أنه في القتل والتخريق مباشر ، وفي حل الوكاء متسبب ، والسبب يسقط حكمه مع القدرة على الامتناع منه ، كمن حفر بئرا فمر بها إنسان وهو يراها ويقدر على اجتنابها فلم يفعل حتى سقط فيها لن يضمن الحافر ، ولو كان الزق مستعلي الرأس وهو يندفع بعد الحل يسيرا بعد يسير فجاء آخر فنكسه حتى تعجل خروج ما فيه فذهب، فعلى الأول ضمان ما خرج قبل التنكيس وفيما خرج بعده وجهان :

أحدهما : أن ضمانه عليهما لاشتراكهما في سبب ضمانه كالجارحين .

والوجه الثاني : أن ضمانه على الثاني وحده لسقوط السبب مع المباشرة ، فصار كالذابح بعد الجارح يسقط سراية الجرح بتوجيه الذبح .

والقسم الثالث : أن يكون ما في الزق جامدا كالسمن ، والدبس إذا جمد فينكشف بحل الوكاء ، أو بكشف الإناء حتى تطلع عليه الشمس فيذوب ويذهب فإن كان الزق ، أو الإناء على حال لو كان ما فيها عند الحل ، والكشف ذائبا بقي في زقه وإنائه فلا ضمان عليه وإن كان لا يبقى لو كان ذائبا ففي ضمانه وجهان :

أحدهما : لا ضمان عليه ؛ لأن ذوبانه من تأثير الشمس لا من تأثير حله .

والوجه الثاني : عليه الضمان ؛ لأن بحله إياه وكشفه له أثرت فيه الشمس فكان الحل أقوى سبب فتعلق الضمان به ، والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث