الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة إن أراق له خمرا أو قتل له خنزيرا

مسألة : قال الشافعي رحمه الله : " وإن أراق له خمرا ، أو قتل له خنزيرا فلا شيء عليه . ولا قيمة لمحرم ؛ لأنه لا يجري عليه ملك واحتج على من جعل له قيمة الخمر ، والخنزير ؛ لأنهما ماله فقال أرأيت مجوسيا اشترى بين يديك غنما بألف درهم ثم وقذها كلها ليبيعها فحرقها مسلم ، أو مجوسي فقال لك : هذا مالي وهذه ذكاته عندي وحلال في ديني وفيه ربح كثير وأنت تقرني على بيعه وأكله وتأخذ مني الجزية عليه فخذ لي قيمته فقال أقول ليس ذلك بالذي يوجب لك أن أكون شريكا لك في الحرام ، ولا حق لك قال فكيف حكمت بقيمة الخنزير ، والخمر وهما عندك حرام ؟ " .

قال الماوردي : أما بالتمسك بالخمر ، والخنزير فمعصية ، والقول فيه كالقول في الصليب ، ولا شيء على متلفها مسلما كان ، أو ذميا ، على مسلم أتلفه ، أو على ذمي ، ويعزر إن هجم على منازلهم ، أو بيعهم .

وقال أبو حنيفة : إن أتلفها على مسلم لم يضمن المتلف مسلما كان أو ذميا وإن أتلفهما على ذمي ضمنها المتلف مسلما كان ، أو ذميا فإن كان مسلما ضمن قيمة الخمر وقيمة الخنزير استدلالا في وجوب ضمانها للذمي بما روي أنعمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إلى أبي موسى الأشعري وقيل إلى سمرة بن جندب في خمور أهل الذمة أن ولهم بيعها وخذ العشر من أثمانها ، فكان الدليل فيه من وجهين : [ ص: 222 ] أحدهما : أن جعل لها أثمانا ، والعقد عليها صحيحا .

والثاني : أخذ العشر منها ولو حرمت أثمانها لحرم عشرها ، قال : ولأنه متمول في عرفهم ، فوجب أن يكون مضمونا بإتلافه عليهم قياسا على غيره من أموالهم ، وقالوا : ولأنه من أشربتهم المباحة ، فوجب أن يكون مضمونا بالإتلاف كسائر الأشربة ، قالوا : ولأن ما استباحوه شرعا ضمناه لهم ، وإن منعنا منه شرعا ؛ قياسا على بضع المجوسية يضمنه المسلم بمهر المثل في الشبه ، قالوا : ولأن ما كان متمولا عند مالكه ، ضمن بالإتلاف وإن لم يتمول عند متلفه ؛ قياسا على المصحف إذا أتلفه ذمي على مسلم .

ودليلنا رواية يزيد بن أبي حبيب عن عطاء بن أبي رباح عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - : أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول وهو بمكة عام الفتح : إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام ، قيل : يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنها يطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس ؟ فقال : لا ، هو حرام . ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند ذلك : قاتل الله اليهود ، وإن الله لما حرم شحومها جملوه ثم باعوه ثم أكلوا ثمنه .

فدل تحريمه لبيعه على تحريم ثمنه وقيمته ؛ ولأن المرجع في كون الشيء مالا إلى صنعته لا إلى صفة مالكه ؛ لأن صفات الشيء قد تختلف فيختلف حكمه في كونه مالا ، ويختلف مالكوه فلا يختلف حكمه في كونه مالا ، كالحيوان هو مال لمسلم وكافر ، ثم لو مات خرج من أن يكون مالا لمسلم أو كافر ، ثم لو دبغ جلده صار مالا لمسلم وكافر ، فلما لم يكن الخمر والخنزير مالا للكافر ، ولا يدخل عليه مال الحربي ؛ لأنه مال والسبي سبب لملكه . ويتحرر من اعتلال هذا الاستدلال قياسان :

أحدهما : أن كل ما لم يكن مالا مضمونا في حق المسلم لم يكن مالا مضمونا في حق الكافر كالميتة والدم . وإن شئت قلت كل عين لم يصح أن تشغل ذمة المسلم بثمنها لم يصح أن تشغل ذمة المسلم بقيمتها أصله ما ذكرنا .

والثاني : أن ما لم يستحقه المسلم من عوض الخمر لم يستحقه الكافر كالثمن ولأنه شراب مسكر فوجب ألا يستحق على متلفه قيمة كما لو أتلفه على مسلم ولأن كل عين لم يضمنها المسلم بإتلافها على المسلم لم يضمنها بإتلافها على الكافر كالعبد المرتد ولأن ما استبيح الانتفاع به من الأعيان النجسة إذا لم يملك الاعتياض عليه كالميتة فما حرم الانتفاع به من الخمر والخنزير أولى أن لا يملك الاعتياض ، عليه قياسان : أن ما حرم نفعا فأولى أن يحرم عوضا قياسا عليه من كافر على مسلم ، ولأن تقويم الخمر للكافر على المسلم تقتضي في التقويم تفضيل الكافر على المسلم فلم يصح اعتبارا بقدر القيمة ، لما لم تقتض اختلافها في [ ص: 223 ] الدين اختلافا فيه ، كذلك الجنس لا يقتضي اختلافها في الدين اختلافا فيه وتحريره قياسا أن ما استويا فيه قدرا استويا فيه جنسا كالأموال إثباتا ، والمستقذرات إسقاطا فأما الجواب عن حديث عمر - رضي الله عنه - وقوله : " ولهم بيعها وخذ العشر من أثمانها " فمن وجهين :

أحدهما : أن معناه أن ولهم ما تولوه من بيعها ، ولا تعترض عليهم فيما استباحوه منها وخذ العشر من أثمانها أي من أموالهم وإن خالطت أثمانها بدليل ما أجمعنا عليه من بطلان ثمنها .

والثاني : أنه محمول على العصير الذي يصير خمرا لإجماعنا وإياهم على تحريم بيعها خمرا وإباحته عصيرا وأما قياسهم على سائر أموالهم بعلة أنه متمول في عرفهم فمنتقض بالعبد المرتد وبما ذكره الشافعي - رضي الله عنه - من موقوذة المجوسي إن سلموه . ثم المعنى في سائر أموالهم وفي الأشربة التي جعلوها أصلا لثاني قياسهم أنه مضمون في حق المسلم فكان مضمونا في حق الكافر ، أو نقول : لأنه مما يجوز أن تشغل ذمة المسلم بثمنه فجاز أن تشغل ذمته بقيمته ، والخمر مفارق لها في هذين المعنيين . وأما قياسهم على بضع المجوسية فالمعنى فيه أن الأبضاع مضمونة بالشبهة فيما يحل ويحرم ألا ترى أن الأم تستحق المهر عند إصابتها بالشبهة كما تستحقه الأجنبية وليس كذلك حكم الأعيان استشهادا في الطرد ، والعكس بالمباح منها ، والمحظور .

وأما قياسهم على المصحف بعلة أنه متمول عند مالكه ، فالجواب عنه استشهادنا بأصلهم في المصحف في أن الاعتبار باعتقادنا دون اعتقادهم نصا واستدلالا . أما النص فقوله تعالى : وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم [ المائدة : 49 ] ، وأما الاستدلال استدلالهم بالمصحف فلما اعتقدناه مالا كان مضمونا لهم وعليهم وإن لم يعتقدوه مالا . أولا ترى لو أن مسلما ذبح على يهودي شاة فهو يعتقدها ميتة لا يملك عنها عوضا ونحن نعتقدها مالا توجب بإتلافه عوضا . ثم قد أجمعنا أنها لو استهلكت عليه بعد ذبح المسلم لها أنها مضمونة على متلفها ؛ لأننا نعتقدها مالا فكذلك الحكم فيما لم نعتقده مالا وإن اعتقدوه مالا . والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث