الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة المساقاة من العقود اللازمة

مسألة : قال الشافعي رحمه الله : " وإذا ساقى على النخل ، أو العنب بجزء معلوم فهي المساقاة التي ساقى عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإذا دفع إليه أرضا بيضاء على أن يزرعها المدفوعة إليه فما أخرج الله منها من شيء فله جزء معلوم فهذه المخابرة التي نهى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ترد إحدى السنتين بالأخرى " .

قال الماوردي : اعلم أن المساقاة من العقود اللازمة بخلاف المضاربة ، والفرق بينهما أن نماء النخل في المساقاة متأخر عن العمل فكان في ترك لزومه تفويت للعمل بغير بدل ، ونماء المال في المضاربة متصل بالعمل فلم يكن في ترك لزومه تفويت للعمل بغير بدل ، فلذلك انعقد لازما في المساقاة وجائزا في المضاربة .

وإذا كان كذلك فصحة العقد فيها معتبرة بأربعة شرائط :

فالشرط الأول : أن تكون النخل معلومة ، فإن كانت مجهولة بأن قال قد ساقيتك أحد حوائطي ، أو على ما شئت من نخلي كان باطلا ؛ لأن النخل أصل في العقد فبطل بالجهالة كالبيع .

فلو ساقاه على نخل غائب بشرط خيار الرؤية فقد اختلف أصحابنا فيه فخرجه بعضهم [ ص: 361 ] على قولين كالبيع ، وذهب آخرون منهم - وهو الأصح - إلى فساد العقد قولا واحدا ، وفرقوا بين المساقاة ، والبيع بأن البيع يعدى عن الغرر فإذا دخل عليه غرر العين الغائبة بخيار الرؤية قوي على احتماله فصح فيه ، وعقد المساقاة غرر ، فإذا دخل عليه غرر العين الغائبة ضعف على احتماله فبطل فيه .

وإذا لم يكن يجوز إلا على معين مشاهد فإن كان عند عقد المساقاة لا ثمرة عليها ، صح العقد ولو أثمرت من وقته إن كانت عند عقد المساقاة مثمرة فقد قال المزني - رضي الله عنه - إن كان ذلك قبل بدو الصلاح جاز ، وإن كان بعده لم يجز وقال أبو ثور : إن احتاجت إلى القيام بها حتى يطيب جاز ، وإن لم يحتج لم يجز .

وقال أبو يوسف ومحمد : إن كانت تزيد جاز وإن كانت لم تزد لم يجز فأما الشافعي فقد حكي عنه في الإملاء جوازه من غير تفصيل ؛ لأنه لما جازت المساقاة على ثمرة معدومة كان جوازها بالمعلومة أولى ، ولعل هذا على قوله في العامل أنه أجير . والمشهور من مذهبه ، والأصح على أصله أن المساقاة باطلة بكل حال . وقد حكى البويطي ذلك عنه نصا ؛ لأن علة جوازها عنده أن لعمله تأثيرا في حدوث الثمرة كما أن لعمل المضارب تأثيرا في حصول الربح ولو حصل ربح المال قبل عمل العامل لم يكن له فيه حق كذلك المساقاة ، فلو ساقاه على النخل المثمرة على ما يحدث من ثمرة العام المقبل لم يجز ؛ لأنه قد يتعجل العمل فيها استصلاحا لثمرة قائمة من غير بدل .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث