الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


فصل : وأما الموات فضربان :

أحدهما : ما لم يزل على قديم الدهر مواتا لم يعمر قط ، فهذا هو الموات الذي قال فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من أحيا أرضا مواتا فهي له فمن أحياه من المسلمين فقد ملكه وإن أحياه ذمي لم يملكه .

وقال أبو حنيفة : يملكه الذمي بالإحياء كالمسلم استدلالا بعموم قوله - صلى الله عليه وسلم - : من أحيا أرضا مواتا فهي له ولأنها أعيان مباحة ، فجاز أن يستوي في تملكها المسلم والذمي كالصيد ، والحطب : ولأن من صح أن يملك بالاصطياد والاحتطاب ، صح أن يملك بالإحياء كالمسلم : ولأنه سبب من أسباب التمليك فوجب أن يستوي فيه المسلم والذمي كالبيع .

ودليلنا : قوله - صلى الله عليه وسلم - : الأرض لله ورسوله ثم هي لكم فواجه المسلمين بخطابه وأضاف ملك الموات إليهم ، فدل على اختصاص الحكم بهم .

وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : لا يجتمع دينان في جزيرة العرب إشارة إلى إجلائهم حتى أجلاهم عمر - رضي الله عنه - من الحجاز ، فلما أمر بإزالة أملاكهم الثابتة فأولى أن يمنعوا من أن يستبيحوا أملاكا محدثة : لأن استدامة الملك أقوى من الاستحداث ، فإذا لم يكن لهم الأقوى فالأضعف أولى : ولأن من لم يقر في دار الإسلام إلا بجزية منع من الإحياء كالمعاهد ، ولأن كل ما لم يملكه الكافر قبل عقد الجزية لم يملكه بعد عقد الجزية .

أصله : نكاح المسلمة : ولأنه نوع تمليك ينافيه كفر الحربي فوجب أن ينافيه كفر الذمي كالإرث من مسلم .

فأما الجواب عن قوله - صلى الله عليه وسلم - : من أحيا أرضا مواتا فهي له فهو أن هذا الخبر وارد في بيان ما يقع به الملك .

وقوله : ثم هي لكم مني وارد في بيان من يقع له الملك فصار المعنى في كل واحد [ ص: 477 ] منهما فيما قصد له قاضيا على صاحبه ، فصار الخبران في التقدير كقوله : من أحيا أرضا مواتا من المسلمين فهي له .

وأما الجواب عن قياسهم على الصيد والحطب ، فهو أنه منتقض بالغنيمة حيث لم يستو المسلم ، والذمي فيها مع كونها أعيانا مباحة ، ثم لو سلم من النقص لكان المعنى في الصيد والحطب أن لا ضرر على المسلم فيه إذا أخذه الكافر وليس كذلك الإحياء . ولذلك لم يمنع المعاهد من الاصطياد والاحتطاب ، وإن منع من الإحياء فكان المعنى الذي فرقوا به في المعاهد بين إحيائه واصطياده هو فرقنا في الذمي بين إحيائه واصطياده وهو الجواب عن قياسهم الثاني ، ويكون المعنى في المسلم فضيلته بدينه واستقراره في دار الإسلام بغير جزية مباينة لصغار الذمة فاستعلى على من خالف الملة .

وأما الجواب عن قياسهم على البيع فهو أنه منتقض بالزكاة : لأنها سبب من أسباب التمليك الذي يختص بها المسلم دون الذمي ، ثم المعنى في البيع أنه لما جاز أن يملك به المعاهد جاز أن يملك به الذمي ، ولما لم يجز في الإحياء أن يملك به المعاهد لم يملك به الذمي .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث