الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الباب الثامن في الفدية

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 347 ] الباب الثامن

في الفدية

المرتبة على الترخيص بالمخيط والطيب وإلقاء التفث وغيرها

والأصل فيها قوله تعالى : ( فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ) [ البقرة 196 ] ، وفي ( الكتاب ) : هل هي على التخيير لورود الآية بصيغة ( أو ) وهي تقتضي التخيير لغة ؟ وفي ( الموطأ ) : كان كعب بن عجرة معه عليه السلام محرما فأذاه القمل في رأسه فأمره عليه السلام أن يحلق رأسه ، وقال : صم ثلاثة أيام ، أو أطعم ستة مساكين مدين لكل مسكين ، أو انسك بشاة ، أي ذلك فعلت أجزأ عنك . ولا يفتقر إلى الحكمين ، وإن كانت القاعدة حمل المطلق على المقيد ، وقد أطلقت الكفارة ههنا ، وقيدت في الصيد بالحكم لاختلاف السبب وهو قتل الصيد والترفه . والحكم وهو لوجود الشبه ثمة ، وشاة كيف كانت ههنا ، والحمل إنما يكون إذا اتحد السبب كالوضوء والتيمم فإن السبب الحدث ، أو اتحد الحكم كالعتق في القتل ، والظهار على الخلاف في ذلك ، قال : ويستوي في التخيير المضطر والجاهل ، والنسك : شاة يذبحها حيث شاء ، ولا يشترط خروجها إلى الحل ولا دخولها فيه ، وكذلك الإطعام وهو ستة مساكين مدين لكل مسكين بمده عليه السلام من عيش ذلك البلد برا أو شعيرا ، ولا يجزئ الغذاء والعشاء لتعيينه عليه السلام مدين ، وأجزأ في كفارة الحنث لكونها مدا مدا ، والغذاء والعشاء أفضل منه ، وقال ( ش ) و ( ح ) : دم الفدية كالهدي يذبح بالحرم قبل الوقوف بعرفة ; لما في أبي داود ( أنه عليه السلام أمر كعب بن عجرة لما حلق [ ص: 348 ] رأسه أن يهدي هديا بقرة ) والجواب : منع الصحة أو حمله على الاستحباب ، وقال ( ش ) : لا يطعم إلا بمكة ، وقال ( ح ) : يجوز دفعه لمسكين واحد ; لأن المقصود سد الخلة على أصله في الكفارة ، قال ابن يونس ، قال محمد : إن شاء نحر البدنة ليلا أو نهارا ، وإن شاء بعيرا أو بقرة وله جعلها هديا وتقليدها ، ولا ينحرها إذا قلدها إلا بمنى أو بمكة إن أدخله من الحل ، فإن افتدى قبل الفعل الموجب لم يجزئه ، وأفضل الفدية أفضل الهدايا الإبل ثم البقر ثم الغنم ; لأنه يفرق لحما فيستحب فيه الكثرة ، ومتابعة الصوم أفضل ، ولو تبين استواء الغذاء والعشاء للمدين أجزأه ، ولو أطعم يومين أجزأه .

فصل في تداخل الفدية : والأصل في التداخل قوله تعالى : ( فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية ) الآية ، فجعل الواجب أحد الخصال مرتبا على المرض والأذى ، ولم يخص بعض المرض بشيء فيجب في حمله ما يستعمل في المرض فدية واحدة ، ويلحق به النية المتحدة والمجلس المتحد بجامع العزم على مباشرة المحظور ، وقد تقدم في باب القران أنواع التداخل في موارد الشرع وعدده وتفاصيله ، فليراجع من هناك ، وفي ( الكتاب ) : إذا لبس قلنسوة لوجع ثم نزعها فعاد إليه الوجع فلبسها ، إن نزعها بدءا منه فيها فديتان ، وإن كان ناويا مراجعتها عند مراجعة المرض ففدية واحدة نظرا لاتحاد النية ، والسبب كالحدود ، وكذلك إذا وطئ مرة بعد مرة ، ووافقنا ( ح ) إذا وطئ وهو يعتقد الخروج من إحرامه ، ولم يخرج أو اعتقد رفضه أو اعتقد بقاءه أو تكرر الوطء في مجلس واحد فإن كان يعتقد الإحرام ، ووطئ في مجالس عليه في الأول بدنة ، وفي الثاني شاة سواء كفر عن الأول أم لا ، وعند ( ش ) إذا لم يكن كفر حتى وطئ قولان في التداخل ، وإذا لم يتداخل فهل يجب في الثاني بدنة أو شاة قولان ، لنا : أن الثاني لم يفسد الإحرام [ ص: 349 ] لتعذر إفساد الفاسد ، فلا تجب فيه كفارة ، كما لو اتحد المجلس ، ولو لبس الثياب مرة بعد مرة ناويا لبسها إلى برئه من موضعه ، أو لم يكن به وجع وهو ينوي لبسها مدة جهلا أو نسيانا أو جرأة : فكفارة واحدة لاتحاد النية ، وكذلك الطيب يتبع اتحاد النية وتعددها ، فإن داوى قرحة بدواء فيه طيب ثم قرحة أخرى بعدها فكفارتان ; لتعدد السبب والنية ، وإن احتاج في فور واحد لأصناف فلبس خفين وقميصا وقلنسوة وسراويل فكفارة واحدة ، وإن احتاج إلى خفين فلبسهما ، ثم إلى قميص فلبسه فكفارتان لتعدد السبب ، وإن قلم اليوم أظفار يده وفي الغد أظفار يده الأخرى ففديتان ; لتعدد المجلس ، وإن لبس وتطيب وحلق وقلم في فور واحدة ففدية واحدة ، وإن تعددت المجالس تعددت الفدية ، وقاله ( ح ) ، وقال ( ش ) : هذه أجناس لا تتداخل كالحدود المختلفة ، لنا : أن المعتبر هو الترفه وهو مشترك بينها وبين واجب ، وموجب الجميع واحد وهو الفدية فتتداخل كحدود المسكر المختلف الأنواع ، قال ابن يونس ، قال عبد الملك : إن احتاج إلى قميص ثم استحدث السراويل مع القميص ففدية واحدة لسترة القميص موضع السراويل ، فلو احتاج إلى السراويل ، أولا ففديتان ، فإن احتاج إلى قلنسوة ثم بدا له فلبس عمامة أو عكس فدية واحدة ، وكذلك لو احتاج إلى قميص ثم جبة ثم فروة أو احتاج إلى قلنسوة ثم عمامة ثم إلى التظلل ، قال سند : إن اتصل الفعل لا يضر تقطع النية مثل استعمال دواء فيه العنبر ثم يوصف له دواء فيه المسك فيقصده بفور استعمال الأول ففدية واحدة ، وإن اتصلت النية وتقطع الفعل كالعزم على التداوي بكل ما فيه طيب فيستعمل المسك ثم العنبر : ففدية [ ص: 350 ] واحدة ، فإن تقطعا معا كما إذا لم ينجع دواء المسك فيعزم على دواء العنبر ، فلا يتداخلان للتباين من كل وجه ، والمراعى في ذلك : الفور والقرب ، وإذا احتاج إلى خفين أو ثياب لم تتعين ، وله لبس خف بعد خف ، بخلاف الطيب إذا نوى طيبا ممسكا ، فاستعمل بعده غيره فكفارة ثانية ، والفرق : أن الطيب يتلف عينه فيتعين ، واللباس إنما تتلف منافعه فلا يتعين ، وفي ( الجواهر ) : حيث قلنا : تجب الفدية باللبس ، فكذلك إذا انتفع به لحر أو برد كالنوم ، وإن لم ينتفع حتى ذكر ونزع فلا شيء عليه ، وكذلك الخف إذا نزعه على القرب .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث