الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

إيجاب الجمعة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

إيجاب الجمعة .

أخبرنا الربيع بن سليمان قال أخبرنا محمد بن إدريس الشافعي قال قال الله تبارك وتعالى { إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله } الآية وقال الله عز وجل { : وشاهد ومشهود } ( قال : الشافعي ) : رحمه الله تعالى أخبرنا إبراهيم بن محمد قال حدثني صفوان بن سليم عن نافع بن جبير وعطاء بن يسار عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه " قال : { شاهد يوم الجمعة ، ومشهود يوم عرفة } أخبرنا الربيع قال : أخبرنا الشافعي قال : أخبرنا إبراهيم بن محمد قال : حدثني شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن عطاء بن يسار عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله أخبرنا الشافعي قال : أخبرنا إبراهيم بن محمد قال وحدثني عبد الرحمن بن حرملة عن سعيد بن المسيب عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله ( قال : الشافعي ) : ودلت السنة من فرض الجمعة على ما دل عليه كتاب الله تبارك وتعالى ( قال الشافعي ) : أخبرنا ابن عيينة عن ابن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { نحن الآخرون ونحن السابقون بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه فهدانا الله له فالناس لنا فيه تبع اليهود غدا والنصارى بعد غد } ( قال : الشافعي ) : أخبرنا سفيان بن عيينة عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة مثله إلا أنه قال : بائد أنهم ( قال الشافعي ) : أخبرنا إبراهيم بن محمد حدثني محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم ، ثم هذا يومهم الذي فرض عليهم يعني الجمعة : فاختلفوا فيه فهدانا الله له فالناس لنا فيه تبع السبت والأحد } ( قال : الشافعي ) : والتنزيل ، ثم السنة يدلان على إيجاب الجمعة وعلم أن يوم الجمعة اليوم الذي بين الخميس والسبت من العلم الذي يعلمه الجماعة عن الجماعة عن النبي صلى الله عليه وسلم وجماعة من بعده من المسلمين كما نقلوا الظهر أربعا والمغرب ثلاثا وكانت العرب تسميه قبل الإسلام " عروبة " قال الشاعر :

نفسي الفداء لأقوام همو خلطوا يوم العروبة أزوادا بأزواد

.

( قال الشافعي ) : أخبرنا إبراهيم بن محمد قال حدثني سلمة بن عبد الله الخطمي عن محمد بن كعب القرظي .

[ ص: 218 ] أنه سمع رجلا من بني وائل يقول قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم { تجب الجمعة على كل مسلم إلا امرأة ، أو صبيا ، أو مملوكا } ( قال : الشافعي ) : ومن كان مقيما ببلد تجب فيه الجمعة من بالغ حر لا عذر له وجبت عليه الجمعة ، ( قال : الشافعي ) : والعذر المرض الذي لا يقدر معه على شهود الجمعة إلا بأن يزيد في مرضه ، أو يبلغ به مشقة غير محتملة ، أو يحبسه السلطان ، أو من لا يقدر على الامتناع منه بالغلبة ، أو يموت بعض من يقوم بأمره من قرابة ، أو ذي آصرة من صهر ، أو مودة ، أو من يحتسب في ولاية أمره الأجر فإن كان هذا فله ترك الجمعة ( قال : الشافعي ) : وإن مرض له ولد ، أو والد فرآه منزولا به وخاف فوت نفسه فلا بأس عليه أن يدع له الجمعة وكذلك إن لم يكن ذلك به وكان ضائعا لا قيم له غيره ، أو له قيم غيره له شغل في وقت الجمعة عنه فلا بأس أن يدع له الجمعة ، ( قال الشافعي ) : أخبرنا سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح عن إسماعيل بن عبد الرحمن عن ابن أبي ذئب أن ابن عمر دعي وهو يستحم للجمعة لسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وهو يموت فأتاه وترك الجمعة ، ( قال : الشافعي ) : وإن أصابه غرق ، أو حرق ، أو سرق وكان يرجو في تخلفه عن الجمعة دفع ذلك ، أو تدارك شيء فلت منه فلا بأس أن يدع له الجمعة وكذلك إن ضل له ولد ، أو مال من رقيق ، أو حيوان أو غيره فرجا في تخلفه تداركه كان ذلك له .

( قال الشافعي ) : فإن كان خائفا إذا خرج إلى الجمعة أن يحبسه السلطان بغير حق كان له التخلف عن الجمعة فإن كان السلطان يحبسه بحق مسلم في دم ، أو حد لم يسعه التخلف عن الجمعة ولا الهرب في غير الجمعة من صاحبه إلا أن يكون يرجو أن يدفع الحد بعفو ، أو قصاص ، أو بصلح فأرجو أن يسعه ذلك ( قال : الشافعي ) : وإن كان تغيبه عن غريم لعسرة وسعه التخلف عن الجمعة وإن كان موسرا بقضاء دينه لم يسعه التخلف عن الجمعة خوف الحبس ( قال : الشافعي ) : وإن كان يريد سفرا لم أحب له في الاختيار أن يسافر يوم الجمعة بعد الفجر ويجوز له أن يسافر قبل الفجر ( قال : الشافعي ) : وإن كان مسافرا قد أجمع مقام أربع فمثل المقيم وإن لم يجمع مقام أربع فلا يحرج عندي بالتخلف عن الجمعة وله أن يسير ولا يحضر الجمعة ( قال الشافعي ) : أخبرنا سفيان بن عيينة عن الأسود بن قيس عن أبيه أن عمر أبصر رجلا عليه هيئة السفر وهو يقول لولا أن اليوم يوم الجمعة لخرجت فقال له عمر : فاخرج فإن الجمعة لا تحبس عن سفر .

( قال : الشافعي ) : وليس على المسافر أن يمر ببلد جمعه إلا أن يجمع فيه مقام أربع فتلزمه الجمعة إن كانت في مقامه وإذا لزمته لم يكن له أن يسافر بعد الفجر يوم الجمعة حتى يجمع ( قال : الشافعي ) : وليس على غير البالغين ولا على النساء ولا على العبيد جمعة وأحب للعبيد إذا أذن لهم أن يجمعوا وللعجائز إذا أذن لهم وللغلمان ولا أعلم منهم أحدا يحرج بترك الجمعة بحال .

( قال الشافعي ) : والمكاتب والمدبر والمأذون له في التجارة وسائر العبيد في هذا سواء ( قال : الشافعي ) : وإذا أعتق بعض العبد فكانت الجمعة في يومه الذي يترك فيه لنفسه لم أرخص له في ترك الجمعة وإن تركها لم أقل له إنه يحرج كما يحرج الحر لو تركها ; لأنها لازمة للحر بكل حال إلا من عذر وهذا قد يأتي عليه أحوال لا تلزمه فيها للرق ( قال : الشافعي ) : ومن قلت لا جمعة عليه من الأحرار للعذر بالحبس ، أو غيره ومن النساء وغير البالغين والمماليك فإذا شهد الجمعة صلاها ركعتين وإذا أدرك منها ركعة أضاف إليها أخرى وأجزأته عن الجمعة ( قال : الشافعي ) : وإنما قيل لا جمعة عليهم - والله تعالى أعلم - لا يحرجون بتركها كما يكون المرء فقيرا لا يجد مركبا وزادا فيتكلف المشي والتوصل بالعمل في الطريق والمسألة فيحج فيجزي عنه ، أو يكون كبيرا لا يقدر على الركوب فيتحامل على أن يربط على دابة فيكون له حج ويكون الرجل مسافرا ، أو مريضا معذورا بترك الصوم فيصوم فيجزي عنه ليس أن واحدا من هؤلاء لا يكتب له أجر ما عمل من .

[ ص: 219 ] هذا فيكون من أهله وإن كان لا يحرج بتركه ، ( قال : الشافعي ) : ولا أحب لواحد ممن له ترك الجمعة من الأحرار للعذر ولا من النساء وغير البالغين والعبيد أن يصلي الظهر حتى ينصرف الإمام ، أو يتوخى انصرافه بأن يحتاط حتى يرى أنه قد انصرف ; لأنه لعله يقدر على إتيان الجمعة فيكون إتيانها خيرا له ولا أكره إذا انصرف الإمام أن يصلوا جماعة حيث كانوا إذا كان ذلك غير رغبة عن الصلاة مع الإمام ( قال : الشافعي ) : وإن صلوا جماعة ، أو فرادى بعد الزوال وقبل انصراف الإمام فلا إعادة عليهم ; لأنهم معذورون بترك الجمعة ( قال : الشافعي ) : وإن صلوا جماعة ، أو فرادى فأدركوا الجمعة مع الإمام صلوها وهي لهم نافلة .

( قال : الشافعي ) : فأما من عليه الجمعة ممن لا عذر له في التخلف عنها فليس له أن يصلي الجمعة إلا مع الإمام فإن صلاها بعد الزوال وقبل انصراف الإمام لم تجز عنه وعليه أن يعيدها إذا انصرف الإمام ظهرا أربعا من قبل أنه لم يكن أن يصليها وكان عليه إتيان الجمعة فلما فاتته صلاها قضاء وكان كمن ترك الصلاة حتى فاته وقتها ويصليها قضاء ويجمعها ولا أكره جمعها إلا أن يجمعها استخفافا بالجمعة ، أو رغبة عن الصلاة خلف الأئمة ( قال : الشافعي ) : وآمر أهل السجن وأهل الصناعات عن العبيد بأن يجمعوا وإخفاؤهم الجمع أحب إلي من إعلانه خوفا أن يظن بهم أنهم جمعوا رغبة عن الصلاة مع الأئمة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث