الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كتاب الوقف

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

كتاب الوقف مناسبته للشركة إدخال غيره معه في ماله ، غير أن ملكه باق فيها لا فيه . ( هو ) لغة الحبس . وشرعا ( حبس العين على ) حكم ( ملك الواقف والتصدق بالمنفعة ) ولو في الجملة ، [ ص: 338 ] والأصح أنه ( عنده ) جائز غير لازم كالعارية ( وعندهما هو حبسها على ) حكم ( ملك الله تعالى [ ص: 339 ] وصرف منفعتها على من أحب ) ولو غنيا فيلزم ، فلا يجوز له إبطاله ولا يورث عنه وعليه الفتوى ابن الكمال وابن الشحنة

التالي السابق


كتاب الوقف هو مصدر وقفت أقف : حبس ، ومنه الموقف لحبس الناس فيه للحساب ، وأوقفت لغة رديئة حتى ادعى المازني أنها لم تعرف من كلام العرب . قال الجوهري : وليس في الكلام أوقفت إلا حرفا واحدا ، أوقفت على الأمر الذي كنت عليه ، ثم اشتهر في الموقوف فقيل هذه الدار وقف ولذا جمع على أوقاف ، وقد قال الشافعي رحمه الله تعالى : لم يحبس أهل الجاهلية فيما علمت وإنما حبس أهل الإسلام . وفي وقف المنية : الرباط أفضل من العتق نهر ( قوله إدخال غيره معه في ماله ) هذا في الشركة ظاهر . وأما في الوقف فلا يتم إلا إذا وقف على نفسه وغيره . وما في النهر أوضح ، حيث قال : مناسبته بالشركة باعتبار أن المقصود بكل منهما الانتفاع بما يزيد على أصل المال إلا أنه في الشركة على ملك صاحبه . وفي الوقف يخرج عنه عند الأكثر . ا هـ . ح ( قوله على حكم ملك الواقف ) قدر لفظ حكم تبعا للإسعاف والشرنبلالية ليكون تعريفا للوقف اللازم المتفق عليه . أما غير اللازم فإنه باق على ملك الواقف حقيقة عنده ، ولذا قال القهستاني : وشرعا عنده حبس العين ومنع الرقبة المملوكة بالقول عن تصرف الغير حال كونها مقتصرة على ملك الوقف ، فالرقبة باقية على ملكه في حياته وملك لورثته بعد وفاته بحيث يباع ويوهب . ثم قال : ويشكل بالمسجد فإنه حبس على ملك الله تعالى بالإجماع ، اللهم إلا أن يقال إنه تعريف للوقف المختلف فيه ا هـ .

والحاصل أن المصنف عرف الوقف المختلف والشارح قدر الحكم اختيارا للازم المتفق عليه ولكل جهة هو موليها لكن جهة الشارح أرجح من حيث إن المصنف قال هو حبس العين وذلك لا يناسب تعريف غير اللازم إذ لا حبس فيه لأنه غير ممنوع عن بيعه ونحوه ، بخلاف اللازم فإنه محبوس حقيقة ، وكثيرا ما تخفى رموز هذا الشرح الفاضل على الناظرين خصوصا من هو مولع بالاعتراض عليه فافهم . مطلب لو وقف على الأغنياء وحدهم لم يجز

( قوله ولو في الجملة ) فيدخل فيه الوقف على نفسه ثم على الفقراء وكذا الوقف على الأغنياء ثم الفقراء ، [ ص: 338 ] لما في النهر عن المحيط : لو وقف على الأغنياء وحدهم لم يجز لأنه ليس بقربة ، أما لو جعل آخره للفقراء فإنه يكون قربة في الجملة ا هـ وبهذا التعميم صار التعريف جامعا واستغنى عما زاده فيه الكمال ، وتبعه ابن كمال من قوله أو صرف منفعتها إلى من أحب وقال إن الوقف يصح لمن يحب من الأغنياء بلا قصد القربة ، وهو وإن كان لا بد في آخره من القربة بشرط التأبيد كالفقراء ومصالح المسجد لكنه يكون وقفا قيل انقراض الأغنياء بلا تصدق ا هـ أفاده في النهر . وأجاب في البحر أيضا بأنه قد يقال : إن الوقف على الغني تصدق بالمنفعة لأن الصدقة تكون على الأغنياء أيضا وإن كانت مجازا عن الهبة عند بعضهم ، وصرح في الذخيرة بأن في التصدق على الغني نوع قربة دون قربة الفقير . ا هـ .

واعترضه ح بأن هذا النوع من القربة لو كفى في الوقف لصح الوقف على الأغنياء من غير أن يجعل آخره للفقراء وعلمت تصريح المحيط بأنه لا يصح وسيأتي قبيل الفصل . قلت : والجواب الصحيح أن الوقف تصدق ابتداء وانتهاء إذ لا بد من التصريح بالتصدق على وجه التأبيد أو ما يقوم مقامه كما يأتي تحقيقه ، ولكنه إذا جعل أوله على معينين صار كأنه استثني ذلك من الدفع إلى الفقراء كما صرحوا به ، ولذا لو وقف على بنيه ثم على الفقراء ولم يوجد إلا ابن واحد يعطى النصف والنصف الباقي للفقراء ; لأن ما بطل من الوقف على الابن صار للفقراء ; لأن الوقف خرج عن ملك الواقف بقوله صدقة موقوفة أبدا ، فقد ابتدأه بالصدقة وختمه بها كما قاله الخصاف ، فعلم أنه صدقة ابتداء ، ولا يخرجه عن ذلك اشتراط صرفه لمعين ( قوله : والأصح أنه عنده جائز إلخ ) قال في الإسعاف : وهو جائز عند علمائنا أبي حنيفة وأصحابه رحمهم الله تعالى .

وذكر في الأصل : كان أبو حنيفة لا يجيز الوقف فأخذ بعض الناس بظاهر هذا اللفظ وقال لا يجوز الوقف عنده . والصحيح أنه جائز عند الكل ، وإنما الخلاف بينهم في اللزوم وعدمه ; فعنده يجوز جواز لا إعارة ، فتصرف منفعته إلى جهة الوقف مع بقاء العين على حكم ملك الواقف ، ولو رجع عنه حال حياته جاز مع الكراهة ، ويورث عنه . ولا يلزم إلا بأحد أمرين : إما أن يحكم به القاضي أو يخرجه مخرج الوصية . وعندهما يلزم بدون ذلك ، وهو قول عامة العلماء ، وهو الصحيح . ثم إن أبا يوسف يقول يصير وقفا بمجرد القول لأنه بمنزلة الإعتاق عنده ، وعليه الفتوى . وقال محمد : لا إلا بأربعة شروط ستأتي . ا هـ . ط ملخصا .

وبحث في الفتح بأنه إذا لم يزل ملكه عنده قبل الحكم فلفظ حبس لا معنى له ; لأن له التصرف فيه متى شاء فلم يحدث الوقف إلا مشيئة التصدق بالمنفعة ، وله أن يترك ذلك متى شاء ، وهذا القدر كان ثابتا قبل الوقف فلم يفد لفظ الوقف شيئا ، وحينئذ فقول من أخذ بظاهر ما في الأصل صحيح . ونظر فيه في البحر بأن سلب الفائدة مطلقا غير صحيح لأنه يصح الحكم به ، ويحل للفقير أن يأكل منه ، ويثاب الواقف به ، ويتبع شرطه ، ويصح نصب المتولي عليه . وقول من أخذ بظاهر اللفظ غير صحيح ; لأن ظاهره عدم الصحة أصلا ولم يقل به أحد ، وإلا لزم أن لا يصح الحكم به . ا هـ .

قلت : بل ذكر في الإسعاف أنه عنده يكون نذرا بالتصدق حيث قال : وحكمه ما ذكر في تعريفه ، فلو قال أرضي هذه صدقة موقوفة مؤبدة جاز لازما عند عامة العلماء وعند أبي حنيفة يكون نذرا بالصدقة بغلة الأرض ويبقى ملكه على حاله ، فإذا مات يورث عنه ا هـ : أي فيجب عليه التصدق بغلته ( قوله على حكم ملك الله تعالى ) قدر لفظ حكم ليفيد أن المراد أنه لم يبق على ملك الواقف ولا انتقل إلى ملك غيره ، بل صار على حكم [ ص: 339 ] ملك الله تعالى الذي لا ملك فيه لأحد سواه ، وإلا فالكل ملك لله تعالى . واستحسن في الفتح قول مالك رحمه الله أنه حبس العين على ملك الواقف فلا يزول عنه ملكه ، لكن لا يباع ولا يورث ولا يوهب مثل أم الولد والمدبر وحققه بما لا مزيد عليه .

قلت : وظاهر أن هذا مراد شمس الأئمة السرخسي حيث عرفه بأنه حبس المملوك عن التمليك من الغير ، فإن الحبس يفيد أنه باق على ملكه كما كان وأنه لا يباع ولا يوهب ( قوله : وصرف منفعتها على من أحب ) عبر به بدل قوله والصدق بالمنفعة لأنه أعم ، وإلى التعميم أشار بقوله ولو غنيا أفاده ح ، لكن علمت أن الوقف على الأغنياء وحدهم لا يجوز ; فالمناسب التعبير بالتصدق بالمنفعة إلا أن يراد صرف منفعتها على وجه التصدق ( قوله فيلزم ) تفريع على ما أفاده التعريف من خروج العين عن ملك الواقف لثبوت التلازم بين اللزوم والخروج عن ملكه باتفاق أئمتنا الثلاثة كما ذكره في الفتح ( قوله وعليه الفتوى ) أي على قولهما يلزمه . قال في الفتح : والحق ترجح قول عامة العلماء بلزومه ; لأن الأحاديث والآثار متظافرة على ذلك ، واستمر عمل الصحابة والتابعين ومن بعدهم على ذلك فلذا ترجح خلاف قوله ا هـ ملخصا .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث