الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 145 ] باب ميراث المرتد

( قال ) وميراث المرتد لبيت مال المسلمين ولا يرث المسلم الكافر ، واحتج الشافعي في المرتد بأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم واحتج على من ورث ورثته المسلمين ماله ولم يورثه منهم فقال : هل رأيت أحدا لا يرث ولده إلا أن يكون قاتلا ويرثه ولده ، وإنما أثبت الله المواريث للأبناء من الآباء حيث أثبت المواريث للآباء من الأبناء .

قال الماوردي : وهذا كما قال : لا اختلاف بينهم أن المرتد لا يرث ، واختلفوا هل يورث أم لا ؟ على ستة مذاهب :

أحدها وهو مذهب الشافعي : أن المرتد لا يورث ويكون جميع ماله فيئا لبيت مال المسلمين ، وسواء الزنديق وغيره ، وبه قال ابن أبي ليلى وأبو ثور وأحمد بن حنبل .

والمذهب الثاني وهو مذهب مالك : أن مال المرتد يكون فيئا في بيت مال المسلمين إلا الزنديق فإنه يكون لورثته المسلمين ، أو يقصد بردته إزواء ورثته في مرض موته ، فيكون ماله ميراثا لهم .

والمذهب الثالث وهو مذهب أبي يوسف ومحمد : أن جميع ماله الذي كسبه في إسلامه وبعد ردته يكون موروثا لورثته المسلمين ، وهو قول علي بن أبى طالب ، وعبد الله بن مسعود ، وسعيد بن المسيب ، وعمر بن عبد العزيز ، والحسن ، وعطاء .

والمذهب الرابع وهو مذهب أبي حنيفة : أن ما كسبه قبل ردته يكون لورثته المسلمين وما كسبه بعد ردته يكون فيئا لبيت المال إلا أن يكون المرتد امرأة ، فيكون جميعه موروثا ، وبه قال سفيان الثوري ، وزفر بن الهذيل .

والمذهب الخامس وهو مذهب داود بن علي أن ماله لورثته الذين ارتد إليهم دون ورثته المسلمين .

والمذهب السادس وهو مذهب علقمة وقتادة وسعيد بن أبي عروبة وأن ماله ينتقل إلى أهل الدين الذين ارتد إليهم ، واستدل من جعل ماله موروثا على اختلاف مذاهبهم بقوله تعالى : وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض [ الأنفال 75 ] وبما روي أن علي بن أبي طالب - عليه السلام - أتي بالمستورد العجلي وقد ارتد فعرض عليه الإسلام فأبى أن يسلم ، فضرب عنقه وجعل ميراثه لورثته من المسلمين : وبما روي عن زيد بن ثابت - رضي الله [ ص: 146 ] عنه - قال : بعثني أبو بكر - رضي الله عنه - عند رجوعه إلى أهل الردة أن أقسم أموالهم بين ورثتهم المسلمين ، قالوا : ولأن كل من لا يرثه وارثه المشرك ورثه وارثه المسلم كالمسلم طردا وكالمشرك عكسا ، قالوا : ولأنه مال كسبه مسلم فلم يجز أن يكون فيئا كمال المسلمين ، قالوا : ولأنه مال كسبه في حال حقن دمه فلم يصر فيئا بإباحة دمه كمال القاتل والزاني المحصن ، قالوا : ولأن ورثته من المسلمين قد ساووا بإسلامهم جميع المسلمين وفضلوهم بالرحم والتعصيب ، فوجب أن يكونوا أولى منهم لقوة شبههم ، واستدل من جعل ماله لأهل الدين الذي ارتد إليه بقوله تعالى : ومن يتولهم منكم فإنه منهم [ المائدة : 51 ] .

والدليل على أن المرتد لا يورث ويكون ماله فيئا رواية أسامة بن زيد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم ، فإن منعوا من إطلاق اسم الكفر على المرتد دللنا عليه بقوله تعالى : إن الذين آمنوا ثم كفروا [ النساء : 137 ] وقوله - صلى الله عليه وسلم - : لا يحل مال امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث كفر بعد إيمان وروى معاوية بن قرة عن أبيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث أباه جد معاوية إلى رجل عرس بامرأة أبيه فأمرني بضرب عنقه وخمس ماله ، فجعله النبي - صلى الله عليه وسلم - باستحلال ما نص الله تعالى على تحريمه مرتدا ، وجعل ماله بتخميسه إياه فيئا ، وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : أيما قرية عصت الله ورسوله فإن خمسها لله وللرسول ، ثم هي لكم ، وإنما أشار إلى من حدث عصيانها بالكفر بعد تقدم طاعتها بالإيمان : لأن حكم من لم يزل كافرا مستفاد بنص الكتاب ، ولأن كل من لم يرث بحال لم يورث كالكاتب ، ولأنه كل من لم يورث عنه ما ملكه في إباحة دمه لم يورث عنه ما ملك في حقن دمه كالذمي طردا والقاتل عكسا ، ولأن كل مال ملكه بعوده إلى الإسلام لم يورث عنه بقتله على الردة قياسا على ما كسبه بعد الردة ، فأما الجواب عن الآية فإنه قال بعضهم أولى ببعض [ الأنفال 75 ] ، فلما لم يكن المرتد أولى بالمسلم يقطع الموالاة بالردة لم يصر المسلم أولى بالمرتد لهذا المعنى ، وأما دفع علي - رضوان الله عليه - مال المستورد إلى ورثته إنما كان لما رأى المصلحة باجتهاده وهو إمام يملك التصرف في أموال بيت المال برأيه ، فيجوز أن يكون ذلك تمليكا منه ابتداء عطية لا على جهة الإرث .

وأما توريث زيد بن ثابت بأمر أبي بكر الصديق - رضوان الله عليه - ودفع أموال المرتدين إلى ورثتهم ، فيجوز أن يكون على مثل ما فعله علي - عليه السلام - في مال المستورد على طريق المصلحة ، أو بحمل على المرتدين عن بدل الزكاة حين لم يحكم بكفرهم بالمتع لتأولهم ومقامهم على الإسلام واشتباه الأمر قبل الإجماع .

وأما قياسهم على المسلم بعلة أنه لا يرثه المشرك فمنتقض بالمكاتب ، ثم المعنى في المسلم بقاء الولاية بينه وبين المسلمين .

وأما قياسهم على القاتل فهو دليلنا : لأنه لما كان ما ملك في إباحة دمه موروثا ، كان [ ص: 147 ] ما ملك في حقن دمه موروثا ، ولما كان المرتد لا يورث عنه ما ملك في إباحة دمه لم يورث عنه ما ملك في حقن دمه ، وأما استدلالهم بأن ورثته من المسلمين قد جمعوا الإسلام والقرابة فكانوا أولى من بيت المال المنفرد بالإسلام ففاسد بالذمي لا يرثه المسلم ، وإن كان بيت المال أولى بماله ، ثم ليس يصير مال المرتد إلى بيت المال ميراثا فيجعل ورثته أولى ، وإنما يصير إليه فيئا كما أنهم يجعلون ما كسبه بعد الردة فيئا ولا يجعلون ورثته أولى به .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث