الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل مشروعية الصلاة وحكمها

جزء التالي صفحة
السابق

( فصل ) ووجوبها معلوم من الكتاب والسنة والإجماع ودين الأمة ضرورة فلا نطول بذلك وفرض الله - سبحانه - الصلوات الخمس ليلة المعراج على نبيه في السماء بخلاف سائر الشرائع قال في المقدمات : وذلك يدل على حرمتها وتأكيد وجوبها انتهى .

واختلف في وقت المعراج والصحيح أنه في ربيع الأول قال النووي : في ليلة سبع وعشرين منه ووقع في بعض نسخ فتاوى النووي أنه كان في ربيع الآخر ، وقيل : إنه كان في رجب وجزم به النووي في الروضة تبعا للرافعي ، وقيل : في رمضان ، وقيل : في شوال . واختلف أيضا في السنة التي وقع فيها فقيل : قبل المبعث وهو شاذ والأكثر على أنه بعده ثم اختلفوا فقيل : قبل الهجرة بسنة قاله ابن سعد وغيره وعليه اقتصر في النوادر وابن رشد في المقدمات وجزم به النووي وبالغ ابن حزم فنقل الإجماع فيه وهو مردود فقد قيل : إنه قبل الهجرة بستة أشهر ، وقيل : بثمانية أشهر ، وقيل : بأحد عشر شهرا ، وقيل : بخمسة عشر شهرا ، وقيل : بستة عشر شهرا ، وقيل : بسبعة عشر شهرا ، وقيل : بثمانية عشر شهرا ، وقيل : بثلاث سنين ، وقيل : بخمس سنين قال في المقدمات واختلف كيف فرضت فروي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت فرضت ركعتين ركعتين في الحضر والسفر فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر ، وقيل : فرضت أربع ركعات ثم قصر منها ركعتان في السفر ويؤيد ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : { إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة } انتهى .

( قلت ) وحديث عائشة رواه البخاري قال ابن حجر : وزاد ابن إسحاق إلا المغرب فإنها كانت ثلاثا أخرجه أحمد وسيأتي الكلام على ذلك والجمع بين حديث عائشة وحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهم : { فرضت الصلاة في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين } أخرجه مسلم قال ابن حجر واختلف فيما قبل ذلك فذهب جماعة إلى أنه لم يكن قبل الإسراء صلاة مفروضة إلا ما وقع الأمر به من صلاة الليل من غير تحديد وذهب الحربي إلى أن الصلاة كانت مفروضة ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي وعليه اقتصر في المقدمات فقال وكان بدء الصلاة قبل أن تفرض الصلوات الخمس ركعتين غدوا وركعتين عشيا وروي عن الحسن { في قوله تعالى : { وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار } أنها صلاته [ ص: 380 ] بمكة حين كانت الصلاة ركعتين غدوا وركعتين عشيا فلم يزل فرض الصلاة على ذلك ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون بمكة تسع سنين فلما كان قبل الهجرة بسنة أسرى الله بعبده ورسوله من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ثم عرج به جبريل إلى السماء } ثم ذكر حديث الإسراء ونحوه في النوادر في أول كتاب الصلاة قال : ومن كتاب ابن حبيب وغيره قال : فرضت الصلوات الخمس ليلة الإسراء بالنبي صلى الله عليه وسلم وذلك بمكة قبل الهجرة بسنة وكان الفرض قبل ذلك ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي فأول ما صلى جبريل بالنبي صلى الله عليه وسلم الظهر فسميت الأولى ، قال غير ابن حبيب : إن فرض الوضوء إنما نزل بالمدينة في سورة المائدة وكان الطهر بمكة سنة قاله ابن مسعود انتهى .

وقد اختلف السلف في الإسراء والمعراج هل وقعا في ليلة واحدة وإليه ذهب الجمهور من المحدثين والفقهاء والمتكلمين وتواترت عليه ظواهر الأخبار الصحيحة وقال بعضهم كان الإسراء في ليلة والمعراج في ليلة متمسكا بظاهر بعض الروايات وهي قابلة للتأويل . والمراد بالإسراء : الذهاب إلى بيت المقدس ، وبالمعراج : العروج إلى السماء .

( فائدة ) قال ابن حجر : والحكمة في وقوع فرض الصلاة ليلة المعراج أنه لما قدس ظاهرا وباطنا حين غسل بماء زمزم وملئ بالإيمان والحكمة ومن شأن الصلاة أن يتقدمها الطهور ناسب ذلك أن تفرض الصلاة في تلك الحالة وليظهر شرفه صلى الله عليه وسلم في الملأ الأعلى ممن ائتم به من الأنبياء والملائكة وليناجي ربه ومن ثم كان المصلي يناجي ربه قال ابن العربي في شرح الترمذي قوله صلى الله عليه وسلم في حديث الأوقات حكاية عن جبريل : هذا وقت الأنبياء قبلك يوهم أن هذه الصلوات في هذه الأوقات كانت مشروعة لمن تقدم من الأنبياء ، ولم تكن هذه الصلوات على هذا الميقات إلا لهذه الأمة خاصة ، وإن كان غيرهم قد شاركهم في بعضها ، ولكن معنى الحديث أن هذا الوقت الموسع المحدود بطرفين مثل وقت الأنبياء قبلك ، أي : صلاتهم كانت واسعة الوقت ذات طرفين انتهى .

( فائدة ) قال في المقدمات واختلف في قول الله عز وجل : { إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا } وما أشبهه من ألفاظ الصلاة الواردة في القرآن فقيل : إنها مجملة لا يفهم المراد بها من لفظها وتفتقر في البيان إلى غيرها فلا يصح الاستدلال بها على صفة ما أوجبته ، وهو ظاهر قول مالك في سماع ابن القاسم من كتاب الحج ، وقوله : والحج كله في كتاب الله والصلاة والزكاة ليس لهما في كتاب الله بيان والنبي صلى الله عليه وسلم بين ذلك ، وقيل : إنها عامة يصح الاستدلال بها على ذلك ويجب حملها على عمومها في كل ما تناوله الاسم من أنواع الدعاء إلا أن الشرع قد خصصه في نوع من الدعاء على وجه مخصوص تقترن به أفعال مشروعة من قيام وجلوس وركوع وسجود وقراءة وما أشبه ذلك .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث