الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فرع مذاهب العلماء في وقت العمرة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى ( وأما العمرة فإنها تجوز في أشهر الحج وغيرها لما روت عائشة رضي الله عنها { أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر عمرتين في ذي القعدة وفي شوال } وروى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { عمرة في رمضان تعدل حجة } ولا يكره فعل عمرتين وأكثر في سنة ، لما ذكرناه من حديث عائشة رضي الله عنها )

التالي السابق


( فرع ) في مذاهب العلماء في وقت العمرة . قد ذكرنا أن مذهبنا جوازها في جميع السنة ، ولا تكره في شيء منها ، وبهذا قال مالك وأحمد وداود ، ونقله الماوردي عن جمهور الفقهاء ، وقال أبو حنيفة ، تكره العمرة ، واحتج أصحابنا بأن الأصل عدم الكراهة حتى يثبت النهي الشرعي ، ولم يثبت هذا الخبر ; ولأنه يجوز القران في يوم عرفة بلا كراهة ، فلا يكره إفراد العمرة فيه كما في جميع السنة ; ولأن كل وقت لا يكره فيه استدامة العمرة لا يكره فيه إنشاؤها كباقي السنة .

( وأما ) قول عائشة ( فأجاب ) أصحابنا عنه بأجوبة أجودها أنه باطل لا يعرف عنها ، ولم يذكره عنها أحد ممن يعتمد ، ولو صح لكان قول [ ص: 140 ] صحابي لم يشتهر ، فلا حجة فيه على الصحيح ، ولو صح واشتهر لكان محمولا على من كان متلبسا بالحج ( وأما ) قولهم : إنها أيام الحج فكرهت فيها العمرة ، فدعوى باطلة لا شبهة لها .

( فرع ) : في مذاهبهم في تكرار العمرة في السنة . مذهبنا أنه لا يكره ذلك بل يستحب ، وبه قال أبو حنيفة وأحمد وجمهور العلماء من السلف والخلف ، وممن حكاه عن الجمهور الماوردي والسرخسي والعبدري ، وحكاه ابن المنذر عن علي بن أبي طالب وابن عمر وابن عباس وأنس وعائشة وعطاء وغيرهم رضي الله عنهما ، وقال الحسن البصري وابن سيرين ومالك : تكره العمرة في السنة أكثر من مرة ; لأنها عبادة تشتمل على الطواف والسعي فلا تفعل في السنة إلا مرة كالحج ، واحتج الشافعي والأصحاب وابن المنذر وخلائق بما ثبت في الحديث الصحيح { أن عائشة رضي الله عنها أحرمت بعمرة عام حجة الوداع ، فحاضت ، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تحرم بحج ففعلت ، وصارت قارنة ووقفت المواقف ، فلما طهرت طافت وسعت فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم قد حللت من حجك وعمرتك ، فطلبت من النبي صلى الله عليه وسلم أن يعمرها عمرة أخرى ، فأذن لها فاعتمرت من التنعيم عمرة أخرى } رواه البخاري ومسلم مطولا ، ونقلته مختصرا .

قال الشافعي : وكانت عمرتها في ذي الحجة ، ثم أعمرها العمرة الأخرى في ذي الحجة ، فكان لها عمرتان في ذي الحجة . وعن عائشة أيضا " أنها اعتمرت في سنة مرتين أي بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم " وفي رواية ثلاث عمر ، وعن ابن عمر أنه اعتمر أعواما في عهد ابن الزبير مرتين في كل عام ، ذكر هذه الآثار كلها الشافعي ، ثم البيهقي بأسانيدهما .

( وأما ) الحديث الذي ذكره المصنف فليس فيه دلالة ظاهرة ; لأنها لم تقل : اعتمر في ذي القعدة وشوال من سنة واحدة واحتج أصحابنا أيضا في المسألة بحديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما } رواه البخاري ومسلم ، وسبق ذكره في أول [ ص: 141 ] كتاب الحج ، ولكن ليست دلالته ظاهرة ، وإن كان البيهقي وغيره قد احتجوا به ، وصدر به البيهقي الباب ، فقال بعض أصحابنا : وجه دلالته أنه صلى الله عليه وسلم لم يفرق بين كون العمرتين في سنة أو سنتين ، وهذا تعليق ضعيف . واحتج أيضا بالقياس على الصلاة فقالوا : عبادة غير مؤقتة ، فلم يكره تكرارها في السنة كالصلاة ، قال الشافعي في المختصر : من قال : لا يعتمر في السنة إلا مرة مخالف لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني حديث عائشة السابق ( فإن قيل ) قد ثبت في حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها : { ارفضي عمرتك وامتشطي وأهلي بالحج } ففعلت ، ثم اعتمرت ، وهذا ظاهره أنه لم يحصل لها إلا عمرة واحدة ( فالجواب ) أنها لم ترفضها ، يعني الخروج منها والإعراض عنها ; لأن العمرة والحج لا يخرج منهما بنية الخروج بلا خلاف وإنما رفضها رفض أعمالها مستقلة ; لأنها أحرمت بعدها بالحج ، فصارت قارنة فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " ارفضيها " أي اتركي أعمالها المستقلة لاندراجها في أفعال الحج ( وأما ) امتشاطها ، فلا دلالة فيه . قال القاضي أبو الطيب وغيره ; لأن المحرم يجوز له عندنا الامتشاط ( وأما ) الجواب عن احتجاج مالك بالقياس على الحج ، فهو أن الحج مؤقت لا يتصور تكراره في السنة والعمرة غير مؤقتة ، فتصور تكرارها كالصلاة والله أعلم .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث