الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الباب الثالث فيما يوجب تعدد الكفارة واتحادها

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 17 ] الباب الثالث

فيما يوجب تعدد الكفارة واتحادها

قال أبو الطاهر : إذا قصد الحالف بتكرار يمينه تعدد الكفارات تعددت ، أو اتحادها اتحدت ، وإن لم يقصد ، والمعنى واحد ، واللفظ واحد ، أو متعدد ، اتحدت كالحلف بأسماء الله تعالى ، وإن تعدد المعنى تعددت كالحلف بالصفات ، وإن حلف على أشياء بالعطف ، وقصد اتحاد اليمين اتحدت ، وهل يقع الحنث ببعضها ، وهو المشهور ، أو بالجميع ؟ قولان ، وإذا أتى بلفظ يدل على التكرار تكررت الكفارة نحو كلما ، أو متى ، وإلا فلا تتكرر إلا أن يظهر ذلك من قصد الحالف كالحالف لا يترك الوتر ، أو لا يشرب الخمر بالمدينة النبوية ; لأن المقصود اجتناب ذلك في سائر الأوقات لشرف الوتر والمدينة ، بخلاف : لا كلمت زيدا ، وقالت الحنفية : إذا كرر الأسماء أو الاسم الواحد بغير عطف ، فكفارة واحدة ; لأن الثاني يجري مجرى الصفة للأول . وبالعطف كفارتان ; لأن العطف يوجب التعدد ، ولذلك يجوز للحالف تأكيد اليمين بغير عطف ، ولا يجوز بالعطف ; لأن المستحق على الخصم يمين واحدة ، وجوابهم أن العلماء اختلفوا في قوله تعالى : ( والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى ) ( الليل : 1 ) ونحوه ، هل الواو الثانية للعطف أو للقسم ، والصحيح عندهم أنها خفضت بالعطف لا بالقسم ; لأن القسم بالشيء تعظيم له ، والانتقال عنه إلى القسم بغيره إعراض عنه ، والإعراض يأبى التعظيم ، وأما العطف عليه ، فتقدير له يجعل غيره تابعا له في معناه ، فيكون القسم واحدا وقعت فيه الشركة ، فالمتعدد متعلقه ; لأنها أقسام متعددة ، وإذا اتحد القسم اتحدت [ ص: 18 ] الكفارة ، ووافقنا ابن حنبل ، وفي ( الكتاب ) : إذا قال : علي عشر كفارات ، أو مواثيق ، أو نذور لزمه عدد ذلك كفارات . قال اللخمي : لأن النطق بالعدد يقتضي إرادته بخلاف التكرير ، فحمل على التأكيد ، وإن قال : والعزيز ، وعزة الله ، فكفارتان . قال ابن يونس : قال محمد : إذا حلف بعدة أسماء ، أو كرر اسما واحدا ، فكفارة واحدة . قال ابن حبيب : وكذلك تعدد الصفات ; لأنها ليست غير الذات ، وقيل بتعدد الكفارة ; لأن مفهوم القدرة غير مفهوم العلم ، والأسماء يعبر بها عن مسمى واحد ، وما امتنع إطلاق لفظ الغير إلا لأن الغير في اللغة هو الذي شأنه المفارقة بالزمان والمكان ، فإطلاق لفظ الغير عليها يوهم ذلك ، وإطلاق الموهم ممنوع ، قال : وينبغي التفصيل ، فما يرجع لمعنى واحد ، فكفارة واحدة كالعزة والجلال ، والعظمة ، وكالميثاق ، والعهد ، وكالقرآن ، والتوراة ، والإنجيل ، فإنها ترجع إلى صفة الكمال ، وإلا تعددت الكفارة . قال اللخمي : ولو قال : والله ، ثم والله ، ثم والله ، فكفارة واحدة ، وأرى أنها ثلاث ، وقال ابن عبد الحكم بالتعدد في الواو مع واو القسم ، وفي ( الكتاب ) : إذا حلف : لا أجامعكن ، فجامع واحدة ، أو الجميع ، فكفارة واحدة ; لأن الكفارة لمخالفة اليمين ، وهي واحدة ، والقائل : والله لا دخلت هذا الدار ، والله لا كلمت فلانا ، تعددت الكفارة لتعدد اليمين ، ولو كرر اليمين على شيء واحد في مجلس واحد ، أو مجالس ، فكفارة واحدة حتى ينوي التأسيس ، ولو كرر لفظ النذر تعددت الكفارة نوى أم لا . قال ابن يونس : قال محمد : إذا قال : علي ثلاثة نذور ، فثلاث كفارات ، والفرق بين تكرار الطلاق يحمل على الإنشاء دون التأكيد ، واليمين على التأكيد أن الطلاق مختلف ، فأولى بوجوب التحريم ، والثانية تقرب من الثلاث ، والثالثة تحريم إلا بعد زوج آخر ، ومعنى الأيمان واحد ، وهو إيجاب الكفارة ، وبين النذر واليمين أن أصل وضع اليمين لتأكيد المخبر عنه ، فلما كان أصلها للتأكيد حملت عليه عند عدم النية ، وموضوع النذر اللزوم ، فحمل على الإنشاء ، ومن حلف فقيل له : يحنثك ، فحلف لا يحنث [ ص: 19 ] فكفارتان ، وإن حلف لا باع من فلان ، فقال له آخر : وأنا ؟ فقال : والله ولا أنت ، فكفارتان إن باع منهما ، أو من أحدهما ، فردها عليه ، فباعها من الثاني عند ابن القاسم ، ولو حلف لا باعها من فلان ، ولا من فلان ، فباعها منهما ، أو من أحدهما ، فكفارة واحدة ، وفي ( الكتاب ) : والحالف لا يكلم فلانا ثم قال : علي حجة أو عمرة إن كلمته فهما يمينان . قال ابن يونس : قال ابن القاسم : وإن قال : والله لا أكلمه غدا ، والله لا أكلمه بعد غد ، والله لا أكلمه غدا ، فكفارتان إن كلمه في اليومين ، وإن قال : والله لا أكلمه غدا ، ولا أكلمه غدا ، ولا بعد غد ، فكلمه غدا ، فكفارتان ; لأنهما يمينان على متباينين ، وقد تناولا غدا ، فإن كلمه بعد غد ، فلا شيء عليه ; لأن اليمين انحلت بالغد ; لأنه جزء ما حلف عليه في اليمين الثاني ، وإن كلمه بعد غد فقط ، فكفارة واحدة ، ولا ينوي أنه أراد باليمين الثانية الأولى كمن قال لامرأته : إن دخلت الدار فأنت طالق ، إن كلمت زيدا فأنت طالق . لا ينوي أنه أراد بالثانية الأولى ، ولو قال : والله لا كلمتك غدا ، أو بعد غد ، ثم قال : والله لا كلمتك غدا ، فكلمه غدا ، فكفارة واحدة ; لأن اليمين الأولى اقتضت مطلق أحدهما ، والثانية خصوص الثاني ، وقيدت ذلك المطلق ، والمطلق في ضمن المقيد ، فاجتمعا على شيء واحد بخلاف لو حلف لا يكلمه غدا ، ثم حلف : أو بعد غد ; لأن المطلق في اليمين الأولى ليس محلوفا عليه ، والثانية منشئة للحلف فيه ، فلم يترادفا ، وفي ( الكتاب ) : لو حلف لا يكلم زيدا عشرة أيام ، فكلمه فيها مرارا ، فكفارة واحدة ، وفي ( البيان ) : إذا قلنا بالكفارة في الحلف بالقرآن ، فقال : والقرآن ، والمصحف ، والكتاب ، فثلاث كفارات عند ابن القاسم لاختلاف المسميات ، وإن كان المعنى واحدا ، وهو الكلام القديم .

( تمهيد ) : يقع التداخل في الشريعة في ستة مواضع : في الطهارات كالوضوء إذا تعددت أسبابه ، أو تكرر السبب الواحد ، والغسل إذا اختلفت أسبابه ، أو تكرر السبب الواحد ، والوضوء مع الجنابة ، وفي تداخل طهارة الحدث [ ص: 20 ] والخبث خلاف ، وفي العبادات : كسجود السهو إذا تعددت أسبابه ، وتحية المسجد مع الفرض ، والعمرة مع الحج ، وفي الكفارات : في الأيمان ، وكما لو أفطر في اليوم الواحد من رمضان مرارا بخلاف اليومين ، أو أكثر خلافا لـ ( ح ) في إيجابه كفارة واحدة في جملة رمضان ، واختلف قوله في الرمضانين . وفي الحدود إذا تماثلت ، وهي أولى بالتداخل لكونها مهلكة ، وفي العدد على تفصيل يأتي إن شاء الله تعالى ، وفي الأموال كدية الأطراف مع النفس ، والصدقات في وطء الشبهات إذا تكرر الوطء في الشبهة الواحدة ، ويدخل المتقدم في المتأخر كالأطراف مع النفس ، والمتأخر في المتقدم كوطء الشبهة ، والكثير في القليل كالأطراف مع النفس ، والقليل في الكثير كالأصبع مع النفس ، والوضوء مع الغسل ، والعمرة مع الحج .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث