الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الباب الرابع في الاستثناء

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 21 ] الباب الرابع

2 في الاستثناء

وهو مأخوذ من الثني ; لأن المتكلم رجع إلى كلامه بعد مفارقته ، فأخرج بعضه كما يرجع نصف الثوب على نصفه ، وهو حقيقة في الإخراج بإلا وأخواتها ، ثم يطلق على قولنا : ( إن شاء الله تعالى ) مجازا ; لأنه شرط مشروط ، والشرط ليس باستثناء ، والعلاقة بينهما أن الشرط مخرج من المشروط أحوال عدم الشرط ، فالشرط مخرج لبعض الأحوال ، والاستثناء لبعض الأشخاص ، ويدل على تسمية هذا الشرط استثناء قوله - عليه السلام - : ( من حلف واستثنى عاد كمن لم يحلف ) ومراده ذلك ، فإن الاستثناء بإلا لا يبطل حكم اليمين إجماعا ، وهاهنا بحثان :

البحث الأول : في الاستثناء الحقيقي ، وهو الاستثناء بإلا ، وغير ، وسوى ، وحاشا ، وخلا ، وليس ، ولا يكون ، ونحوها . ولا بد من اتصاله بالكلام والنطق به على الفور عادة احترازا من العطاس ، أو السعال قبله بعد الكلام ، وفي المقدمات لا يقع الاستثناء بإلا من الأعداد ، وإن اتصل ما لم يبن كلامه عليه نحو : والله لأعطينك ثلاثة دراهم إلا درهما ، وكذلك أنت طالق ثلاثا إلا واحدة . بخلاف العموم وبخلاف الاستثناء بمشيئة الله تعالى ، فإنه يكفي فيها الاتصال ، وإن لم يبن الكلام عليه ، ولا يدخل الاستثناء أيضا فيما نص عليه بالعطف نحو [ ص: 22 ] والله لأعطين زيدا أو عمرا أو خالدا إلا زيدا ، فإن فيه إبطال حكم زيد ، وهو منصوص عليه ، وبخلاف ما اندرج مع المخصوص ضمنا ، وقال القاضي : يجوز عندنا استثناء شطر الشيء وأكثره ، والاستثناء عندنا من النفي إثبات ، ومن الإثبات نفي خلافا لـ ( ح ) .

البحث الثاني : في الاستثناء المجازي ، وفي ( الكتاب ) : من حلف بأسماء الله تعالى ، أو بصفاته العلى ، أو نذر نذرا لا مخرج له ، وقال : إن شاء الله ، فإن أراد الاستثناء انحلت يمينه ، أو التبرك لقوله تعالى : ( ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله ) ( الكهف : 23 ) فيمينه منعقدة ، ويكفي حدوث القصد إليه بعد اللفظ إذا وصله باليمين ، وإلا فلا ، ولا تكفي فيه النية ، بل لا بد من التلفظ ، وفي أبي داود قال - عليه السلام - : ( من حلف فقال إن شاء الله لم يحنث ) وفي ( الجلاب ) : إن قطعه بسعال ، أو عطاس ، أو تثاؤب لم يضره ، ووافقنا الأئمة على وجوب الاتصال ، وعن ابن حنبل أيضا يجوز الانفصال ما لم يطل ، وقال بعض أصحابه : ما دام في المجلس . لما في أبي داود قال - عليه السلام - : ( والله لأغزون قريشا ، ثم سكت ، ثم قال : إن شاء الله ) وجوابه : أنه أدب لأجل اليمين لقوله تعالى : ( واذكر ربك إذا نسيت ) ( الكهف : 24 ) .

قواعد : كل متكلم له عرف يحمل لفظه على عرفه في الشرعيات والمعاملات والإقرارات ، وسائر التصرفات ، والشرع له في الحلف نوع شرع له ، واختص به ، فهو عرفه ، وهو الحلف بالله تعالى وصفاته العلى ، فيختص قوله - عليه السلام - : ( من حلف واستثنى ) به ، ولا يتعدى إلى الطلاق ، والعتاق ، والنذور خلافا [ ص: 23 ] لـ ( ش ) ، فالاستثناء جعله الشرع سببا حالا لليمين ، والأصل عدم نصبه سببا لحل غيره ، وسلامة غيره عن الحل والنقض ، والنذر الذي لا مخرج له كفارته كفارة يمين ، فلذلك سوي باليمين ، ولم تكف النية ; لأن المنصوب سببا للحل إنما هو هذا اللفظ ، ولم يوجد ، والقصد إلى الأسباب الشرعية لا يقوم مقامها ، والنية إنما نصبت سببا في التخصيص والتقييد فيما لم يبق الكلام عليه ، فلا جرم يستقل بهما . قال اللخمي : الاستثناء يصح بمشيئة الله تعالى ، أو آدمي حي أو ميت ، والمجمع عليه ما فيه النطق والنسق ، والنية قبل اليمين ، أو في موضع لو سكت لم تنعقد اليمين ، وعلى القول بانعقاد اليمين بمجرد النية يصح الاستثناء بالنية ، وقال محمد : كل ما فيه إن شاء الله تعالى ، أو : إلا أن يشاء الله ، وإلا ، نحو : لقيت القوم ، وينوي في نفسه إلا فلانا ، فهذه الثلاثة لا يجزئ فيها إلا تحريك اللسان ، وقيل : يكفي في ( إلا ) النية بخلاف الآخرين ، ولم تختلف أن المحاشاة تكفي فيها النية ، وهي الإخراج قبل اليمين ، وقال محمد : لا بد من نية الاستثناء قبل حرف من اليمين ; لأنه لو سكت حينئذ لم تنعقد . أما بعد الإتمام لا يمكن رفع المنعقد . والبحث معه هل الاستثناء راجع للسبب المنعقد ، وهو المذهب ، وإنما نصبه الشرع مانعا من الانعقاد ، وظاهر كلام الشرع في قوله : ( من حلف ) كمال الحلف ، فظاهر الحديث مع ظاهر المذهب . قال ابن يونس : قوله : إلا أن يقضي الله ، أو يريد الله كقوله يشاء الله ، وفي ( البيان ) : قال ابن القاسم : إذا قال : إلا أن يقضي الله تعالى غير ذلك ليس استثناء ; لأن هذا معلوم من اليمين قبل قوله خرج لفظ المشيئة ، فالدليل نفى بقية ألفاظ القضاء والقدر على الأصل ، وقال عيسى : هو ثنيا ؛ للمساواة في المعنى ، وكذلك إلا أن يريني الله غير ذلك ، وفرق أصبغ بينهما ، فمنع الأخير ، وهذا يجب أن يرجع إلى الخلاف في الأسباب الشرعية هل القياس عليها إذا عقل معناها أم لا ؟ كما قيل في قياس النبش على السرقة ، واللواط على الزنا ، وفي ( الجواهر ) : اختلف الأصحاب هل الاستثناء حل لليمين ؟ وهو قول القاضي [ ص: 24 ] وفقهاء الأمصار ، أو بدل من الكفارة ، وهو قول ابن القاسم ، ويعضد الأول ظاهر الحديث ، وأن انتفاء الحكم الذي هو الكفارة لانتفاء سببه أولى من انتفائه لقيام مانعه ، ويعضد الثاني : أن الأصل عدم إيجاب اليمين للكفارة ، وحيث اشترطنا النطق ، فيكفي فيه تحريك شفتيه من غير جهر إلا المستحلف لا بد من جهره ، ولا بد من الاستثناء من قصد حال اليمين ، أو التفويض إلى مشيئة الله تعالى .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث