الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 404 ] باب تفريق الغنيمة

مسألة : قال الشافعي - رحمه الله تعالى - : " كل ما حصل مما غنم من أهل دار الحرب من شيء قل أو كثر ، من دار أو أرض أو غير ذلك قسم إلا الرجال البالغين فالإمام فيهم مخير بين أن يمن ، أو يقتل ، أو يفادي ، أو يسبي . وسبيل ما سبي ، أو أخذ منهم من شيء على إطلاقهم سبيل الغنيمة . وفادى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلا برجلين " .

قال الماوردي : اعلم أن جميع ما ظهر عليه المسلمون عنوة من المشركين على ثلاثة أقسام :

قسم هي أموال منقولة وقسم هي أرض ثابتة وقسم هم آدميون مقهورون .

فأما الأموال المنقولة : كالفضة والذهب والسلاح والآلة والعروض والأمتعة والخيل والرقيق ؛ فالواجب إخراج خمسها لأهل الخمس على ما يأتي بيانه ، ثم يقسم أربعة أخماسها بين جميع من شهد الواقعة بالسوية من غير تفضيل إلا ما استحقه الفارس بفرسه ، ولا يفضل ذا شجاعة على غيره ولا من قاتل على من لم يقاتل ، ولا يعطي من الغنيمة من لم يشهد الواقعة .

وقال أبو حنيفة : للإمام أن يفاضل بينهم في القسم وليس له أن يعطي من لم يحضر الواقعة استدلالا بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - فاضل بين الناس في غنائم حنين .

وقال مالك : يجوز أن يفاضل بينهم ويعطي منها من لم يحضر معهم ؛ استدلالا بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قسم من غنائم بدر لثمانية لم يشهدوا بدرا ، منهم عثمان وطلحة .

والدليل عليهما عموم قوله تعالى : واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول [ الأنفال : 41 ] ، فاقتضى أن يكون الباقي بعد الخمس لمن غنم ، كما قال : وورثه أبواه فلأمه الثلث [ النساء : 11 ] فدل على أن الباقي للأب ؛ إذ اقتضت الآية أن يكون أربعة أخماس الغنيمة للغانمين ؛ أوجب بذلك التسوية ما لم يرد نص بالتفضيل وأن لا يشاركهم غيرهم لظاهر التنزيل .

وروى عبد الله بن عمرو أن رجلا أخذ من المغنم جبة غزل من شعر فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال أخذت هذه لأصلح بها برذعة بعيري ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم أما ما كان لي ولبني عبد المطلب [ ص: 405 ] فهو لك ، فقال الرجل : أما إذ بلغت ما أرى فلا أرب لي بها ؛ فلو جاز التفضيل لفضل بهذا القدر اليسير ؛ ولأن ما اشتركوا في سبب تملكه أوجب تساويهم في ملكه كالاشتراك في صيد واحتشاش . فأما تفضيل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الناس في غنائم حنين ، فإنما فعل ذلك بالمؤلفة قلوبهم ، فألف عددا منهم ، كل واحد منهم بمائة بعير ، منهم أبو سفيان بن حرب وصفوان بن أمية وعيينة بن حصن والأقرع بن حابس ، واستعتب العباس بن مرداس فقال :


أتجعل نهبي ونهب العبيـ ـد بين عيينة والأقرع     وما كان حصن ولا حابس
يفوقان مرداس في مجمع     وما كنت دون امرئ منهما
ومن تضع اليوم لا يرفع



فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - اقطعوا لسانه عني . وأمر له بخمسين بعيرا
. وكان ما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - من إعطاء المؤلفة قلوبهم إما من سهمه من الخمس ، وإما لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثبت بحنين مع ثمانية من أصحابه وانهزم جميع الناس : فصارت جميع الغنائم له ، فصنع بها ما شاء وتألف بها من شاء ؛ ولذلك قالت الأنصار - حين رأوه قد تألف قريشا - إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد عزم أن يرجع إلى قومه ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يا معشر الأنصار ، إنكم لتكثرون عند الفزع وتقلون عند الطمع ، ولو سلك الناس شعبا وسلك الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار ، أما ترضون أن ينصرف الناس بالشاة والبعير وتنصرفون برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ فقالوا : رضينا . فكان ما فعله من التفضيل بحنين محمولا على ما ذكرنا ، وأما غنائم بدر فكانت خالصة له فوضعها فيمن شاء من حاضر وغائب على تساو وتفضيل .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث