الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب صفة الحج والعمرة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 3 ] بسم الله الرحمن الرحيم قال المصنف - رحمه الله تعالى - باب صفة الحج والعمرة ( وإذا أراد دخول مكة وهو محرم بالحج اغتسل بذي طوى ، لما روى ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما جاء وادي طوى بات حتى صلى الصبح فاغتسل ثم دخل من ثنية كداء ، ويدخل من ثنية كداء من أعلى مكة ويخرج من السفلى ، لما روى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدخل مكة من الثنية العليا ويخرج من الثنية السفلى ) .

التالي السابق


( الشرح ) حديث ابن عمر الثاني رواه البخاري ومسلم بلفظه ، وروياه أيضا بلفظه من رواية عائشة أيضا ( وأما ) حديثه الأول فرواه البخاري ومسلم أيضا بمعناه ، ولفظهما : عن نافع قال : وكان ابن عمر إذا دخل أدنى الحرم أمسك عن التلبية ثم يبيت بذي طوى ثم يصلي به الصبح ويغتسل ، ويحدث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك ( وأما ) طوى فبفتح الطاء وضمها وكسرها ثلاث لغات الفتح أجود . وممن حكى اللغات الثلاث صاحب المطالع وجماعات قالوا : والفتح أفصح وأشهر . واقتصر الحازمي في المؤتلف على ضمه ، واقتصر آخرون [ ص: 4 ] على الفتح ، وهو منون مصروف مقصور لا يجوز مده . قال صاحب المطالع : ووقع في لباب المستملي ذو الطواء ممدود ، وهو واد بباب مكة .

( وأما ) الثنية فهي الطريق بين جبلين ( وأما ) كداء العليا فبفتح الكاف وبالمد مصروف ( وأما ) السفلى فيقال لها ثنية كدى - بالضم - مقصور .

وأما مكة فلها أسماء كثيرة ، وقد قالوا : كثرة الأسماء تدل على شرف المسمى ; لهذا كثرت أسماء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قال بعضهم : لله تعالى ألف اسم ، وللنبي صلى الله عليه وسلم ألف اسم وقد أشرت إلى هذا في أول تهذيب الأسماء واللغات في : أولا ترجمة النبي صلى الله عليه وسلم فما حضرني من أسماء مكة ستة عشر اسما : أحدها مكة ، والثاني : بكة ، والثالث : أم القرى ، والرابع : البلد الأمين ، والخامس : رحم - بضم الراء وإسكان الحاء المهملة - لأن الناس يتراحمون فيها ويتوادعون . السادس : صلاح بكسر الحاء - مبني على الكسر كقطاع ونظائرها ، سميت به لأمنها . السابع : الباسة - بالباء الموحدة والسين المهملة - لأنها تبس من ألحد فيها أي تحطمه . ومنه قوله تعالى { وبست الجبال } الثامن : الناسة بالنون . التاسع : النساسة ( قيل ) لأنها تنس الملحد ، أي تطرده ، وقيل لقلة مائها ، والنس اليبس . العاشر : الحاطمة ، لحطمها الملحدين فيها . الحادي عشر : الرأس كرأس الإنسان . الثاني عشر : كوثى - بضم الكاف وفتح المثلثة - باسم موضع بها . الثالث عشر : العرش الرابع عشر : القادس . الخامس عشر : المقدسة من التقديس . السادس عشر : البلدة .

وأما مكة وبكة فقيل : هما اسمان للبلدة ، وقيل : مكة الحرم كله ، ومكة المسجد خاصة ، وهي محكي عن الزهري وزيد بن أسلم ، وقيل : مكة اسم للبلد ، وبكة اسم البيت ، وهو قول إبراهيم النخعي وغيره . [ ص: 5 ] وقيل : مكة البلد وبكة البيت وموضع الطواف ، سميت بكة لازدحام الناس فيها ، يبك بعضهم بعضا ، أي يدفعه في زحمة الطواف ، وقيل : لأنها تبك أعناق الجبابرة أي تدقها ، والبك الدق . وسميت مكة لقلة مائها من قولهم : امتك الفصيل ضرع أمه إذا امتصه . وقيل : لأنها تمك الذنوب أي تذهب بها ، والله أعلم .

وأما مدينة النبي صلى الله عليه وسلم فلها أسماء : المدينة وطيبة وطابة والدار قال الله تعالى { ما كان لأهل المدينة } و { يقولون لئن رجعنا إلى المدينة } وفي صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { إن الله تعالى سمى المدينة طابة } قال العلماء : سميت طابة وطيبة من الطيب وهو الطاهر لخلوصها من الشرك وطهارتها . وقيل : من طيب العيش . وقيل من الطيب وهو الرائحة الحسنة . وسميت الدار لأمنها وللاستقرار بها . والله أعلم .

( أما الأحكام ) ففيها مسائل : ( إحداها ) يستحب الغسل لدخول المحرم مكة لما ذكره المصنف . وقد سبق بيان أغسال الحج في أول باب الإحرام ، وذكرنا هناك أنه إن عجز عن الغسل تيمم . وذكرنا فيه فروعا كثيرة . ويستحب هذا الغسل بذي طوى إن كانت في طريقه وإلا اغتسل في غير طريقها ، كنحو مسافتها وينوي به غسل دخول مكة ، وهو مستحب لكل محرم حتى الحائض والنفساء والصبي ، كما سبق بيانه في باب الإحرام . قال الماوردي . ولو خرج إنسان من مكة فأحرم بالعمرة من الحل واغتسل للإحرام ثم أراد دخول مكة ، فإن كان أحرم من موضع بعيد عن [ ص: 6 ] مكة ، كالجعرانة والحديبية استحب أن يغتسل أيضا لدخول مكة ، وإن أحرم من موضع قريب من مكة كالتنعيم أو من أدنى الحل لم يغتسل لدخول مكة ; لأن المراد من هذا الغسل النظافة وإزالة الوسخ عند دخوله ، وهو حاصل بغسله السابق . وهذا الغسل مستحب لكل داخل محرم ، سواء كان محرما بحج أو عمرة أو قران بلا خلاف ، وينكر على المصنف قوله وهو محرم بالحج ، فأوهم اختصاصه به ( والصواب ) حذف لفظة الحج كما حذفها في التنبيه والأصحاب

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث