الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


مسألة : قال الشافعي : " والشهود على العدل حتى يعلم الجرح يوم وقع النكاح " .

قال الماوردي : والعدالة المعتبرة في شهود النكاح عند عقده هي عدالة الظاهر بخلاف الشهادة في إثبات الحقوق عند الحاكم التي يراعى فيها عدالة الظاهر والباطن .

والفرق بينهما من وجهين :

أحدهما : أن في إثبات الحقوق عند الحكام خصما جاحدا ، فاستكشف لأجله عن عدالة الباطن ، وليس في عقد النكاح هذا المعنى ، فلم تعتبر إلا عدالة الظاهر .

والثاني : أن الحاكم يقدر من استبراء العدالة في الباطن ما لا يقدر عليه الزوجان فسقط اعتبار ذلك عنهما ، وإن لم يسقط عن الحاكم ، وإذا كان ذلك فعدالة الظاهر اجتناب الكبائر والإقلال من الصغائر .

فإذا عقد الزوجان نكاحا بشاهدين لم يخل حالهما من أربعة أقسام :

أحدها : أن يكونا عدلين في الظاهر والباطن ، فعقد النكاح بهما صحيح لعدالة ظاهرهما ، وإثباته عند الحكام جائز لعدالة باطنهما .

والقسم الثاني : أن يكونا عدلين في الظاهر دون الباطن ، فعقد النكاح بهما صحيح لعدالة ظاهرهما ، لكن إثباته عند الحكام لا يصح إلا باستبراء عدالة باطنهما ، فيكشف عن عدالة الباطن وقت الأداء لا وقت العقد . فإن صحت للحاكم ، حكم بشهادتهما في الأداء ، وإن لم تصح ، لم يحكم بشهادتهما في الأداء ، والنكاح على حاله من الصحة ما لم يظهر منهما تقدم الفسق .

والقسم الثالث : أن يكونا فاسقين ، فالعقد باطل ، فلو ظهرت عدالتهما بعد العقد مع تقدم الفسق وقت العقد ، كان العقد على فساده .

والقسم الرابع : أن يكونا مجهولي الحال ، لا يعرف فيهما عدالة ولا فسق ، فهما على ظاهر العدالة والنكاح بهما جائز : لأن الأصل العدالة والفسق طارئ ، وهو معنى قول الشافعي : والشهود على العدل حتى يعلم الجرح يوم وقع النكاح ، وإذا صح العقد بهما مع الجهالة بحالهما لم يحكم الحاكم بهما من إثبات العقد عنده إلا بعد استبراء حالهما في الظاهر والباطن ، فإذا استبرأهما لم يخل حالهما بعد الاستبراء من ثلاثة أقسام :

[ ص: 65 ] أحدها : أن يتبين له عدالة ظاهرهما وباطنهما فيحكم بها في صحة العقد وفي ثبوته .

والقسم الثاني : أن يتبين له عدالة ظاهرهما دون باطنهما ، فلا يحكم بهما في ثبوت العقد ، فإن شهد بعقد النكاح بهما شاهد عدل حكم حينئذ بثبوت العقد وصحته ، فيكون صحة العقد بهما بعدالة ظاهرهما ، وثبوته بشهادة غيرهما .

والقسم الثالث : أن يتبين له فسقهما ، فلا يخلو حال الفسق من ثلاثة أقسام :

أحدهما : أن يتبين له وجود الفسق وقت العقد فالنكاح باطل .

والقسم الثاني : أن يتبين له حدوث الفسق بعد العقد فالعقد على الصحة ، ولا يفسد بحدوث فسقهما ، لكن لا يحكم بثبوته عنده إلا أن يشهد به عدلان أنه عقد بهما ، فيحكم حينئذ بثبوته .

فإن قيل : فكيف يشهد بعقد النكاح بهما عدلان غيرهما ؟ ولو حضره عدلان غيرهما لاستغني بهما عن غيرهما .

قيل : قد يجوز أن يقر الزوجان عند عدلين أنهما عقدا النكاح بهذين .

والقسم الثالث : أن يتبين له فسقهما في الحال ، ولا يعلم تقدمه ولا حدوثه ، والنكاح على الصحة لا يحكم بفساده : لجواز حدوث الفسق مع سلامة الظاهر وقت العقد ، وهو معنى قول الشافعي " حتى يعلم الجرح وقت العقد " ، وإذا لم يحكم بفساده لم يحكم بإثباته إلا بشهادة غيرهما .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث