الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


مسألة : قال الشافعي : " وأحب أن يقدم بين يدي خطبته وكل أمر طلبه سوى الخطبة حمد الله تعالى والثناء عليه والصلاة على رسوله عليه الصلاة والسلام والوصية بتقوى الله ثم يخطب ، وأحب للولي أن يفعل مثل ذلك ، وأن يقول ما قال ابن عمر : أنكحتك على ما أمر الله به من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان " .

قال الماوردي : اعلم أن خطبة النكاح قبل الخطبة سنة مستحبة وليست بواجبة .

وقال أبو عبيد القاسم بن سلام ، وداود بن علي : خطبة النكاح واجبة استدلالا برواية الأعرج عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه بحمد الله فهو أبتر ولأن النبي صلى الله عليه وسلم ما عقد لنفسه نكاحا إلا بعد خطبة ، فكان الخاطب في تزويجه خديجة عمه أبا طالب ، وكان الخاطب بتزويجه بعائشة طلحة بن عبيد الله ، وزوج فاطمة [ ص: 164 ] بعلي فخطبا جميعا ، ولأنه عمل مقبول قد اتفق عليه أهل الأمصار في جميع الأعصار ، فكان إجماعا لا يسوغ خلافا ، ولأن ما وقع به الفرق بين ما يستبشر [ به من الزنا ويعلن من النكاح ] كان واجبا في النكاح ، كالولي والشهود .

والدليل على صحة ما ذهبنا إليه من استحبابها دون وجوبها هو قول جمهور الفقهاء ، قول الله تعالى : فانكحوهن بإذن أهلهن [ النساء : 25 ] . فجعل الإذن شرطا دون الخطبة ، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم حين زوج الواهبة لنفسها من خاطبها قال : قد زوجتكها بما معك من القرآن ، فلم يخطب .

وروي أن رجلا من بني سليم خطب من رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمامة بنت عبد المطلب ، فأنكحه ولم يخطب .

وروي أن الحسين بن علي - رضي الله عنه - زوج بعض بنات أخيه الحسن وهو يتعرق عظما ، أي لم يخطب تشاغلا به .

وروي أن ابن عمر زوج بنته ، فما زاد على أن قال : قد زوجتكها على ما أمر الله - تعالى - به من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ، ولأن الخطبة لو وجبت في النكاح لبطل بتركها ، وفي إجماعهم على صحة النكاح تركها دليل على استحبابها دون وجوبها ، ولأن النكاح عقد فلم تجب فيه الخطبة كسائر العقود ، فأما الاستدلال بالخبر فلم يخرج مخرج الأمر فيلزم ، وإنما أخبر أنه أبتر وليس في هذا القول دليل على الوجوب على أن للخبر سببا هو محمول عليه قد ذكرناه في أول الكتاب .

وأما استدلالهم بأن النبي صلى الله عليه وسلم ما عقد نكاحا إلا بعد خطبة ، فقد قيل : إنه نكح بعض نسائه بغير خطبة ، وقد زوج الواهبة بغير خطبة ، وليس ما استدلوا به من العمل المنقول إجماعا لما روينا من خلافه ، فلم يكن فيه دليل ولا في كونها فرقا بين الزنا والنكاح دليل على وجوبها كالولائم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث