الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


فصل : فإذا تقرر وجوب الأب على أصح القولين ، فالكلام فيه يشتمل على ثلاثة فصول :

أحدها : فيمن يجب إعفافه من الآباء .

والثاني : فيمن يجب عليه الإعفاف من الأبناء .

والثالث : فيما يكون به الإعفاف .

[ القول فيمن يجب إعفافه من الآباء ]

فأما الفصل الأول فيمن يجب إعفافه من الآباء : فهو كل والد فيه بعضية وإن علا ، وسواء كان ذا عصبة من قبل الأب كأبي الأب ، أو كان ذا رحم كأبي الأم ، وهما في وجوب النفقة والإعفاف سواء ، وهكذا أبو أبي الأب وأبو أبي الأم ، وهكذا أبو أم الأب وأبو أم الأم هما سواء في الزوج وسواء في وجوب النفقة والإعفاف ، وهكذا لو اختلف درجهما ، فكان أحدهما أبا أب ، والآخر أبا أم ، وجبت نفقتها وإعفافها إذا أمكن تحمل الولد لهما .

فأما إذا اجتمع أبوان وضاقت حال الابن عن نفقتهما وإعفافهما ، وأمكنه القيام بأحدهما فهذا على ضربين :

أحدهما : أن يستويا في الدرج .

والثاني : أن يتفاضلا .

فإن استويا في الدرج فعلى ضربين :

أحدهما : أن يكون أحدهما عصبة والآخر ذا رحم كأبي أبي الأب وأبي أم الأم ، فالعصبة منهما أحق بتحمل نفقته وإعفافه من ذي الرحم لقوة سببه .

والضرب الثاني : أن يكونا جميعا ذا رحم كأبي أم الأب ، وأبي أب الأم فهما سواء في الدرجة والرحم ، وليس يجوز أن يستوي أبوان في الدرجة والتعصيب ، وإن جاز أن يستويا في الدرجة والرحم ، وإذ كان كذلك وجب أن يسوي بينهما : لاستوائهما في كيفية التسوية بينهما ، إذا أعجزه القيام بهما وجهان :

أحدهما : ينفق على أحدهما يوما ، وعلى الآخر يوما لتكمل نفقة كل واحد منهما في يومه .

والوجه الثاني - وهو عندي أصح - : ينفق على كل واحد منهما في كل يوم نصف نفقته : لتكون النفقة في كل يوم بينهما ، فأما الإعفاف فلا يجيء فيه هذان الوجهان : لأن المهاياة بينهما على الوجه الأول لا يمكن ، والقسمة بينهما فيه على الوجه الثاني لا يمكن ، وإذا لم يمكنا وجب مع استواء سيدهما أن يقرع بينهما فيه ، فأيهما قرع كان أحق بالإعفاف من الآخر ، وأما إن تفاضلا في الدرج فعلى ضربين :

[ ص: 185 ] أحدهما : أن يكون الأقرب عصبة والأبعد ذا رحم ، كأبي الأب وأبي أم الأم فيكون أبو الأب أحق بالنفقة والإعفاف من أبي أم الأم لاختصاصه بسببي القربى والتعصيب .

والضرب الثاني : أن يكون الأقرب ذا رحم والأبعد عصبة ، كأبي الأم وأبي أبي الأب .

فقد قال أبو حامد الإسفراييني : هما سواء : لأن الأقرب منهما ناقص الرحم ، والأبعد منهما زائد بالتعصيب ، فتقابل السببان ، فاستويا .

وهذا الذي قاله عندي غير صحيح ، بل الأقرب منهما أحق ، وإن كان ذا رحم من الأبعد ، وإن كان ذا تعصيب : لأن المعنى في استحقاق النفقة والإعفاف هو الولاية دون التعصيب ، فلما تساوت الدرج وقوي أحدهما بالتعصيب ، كان أحق كأخوين أحدهم لأب وأم ، والآخر لأب .

وإذا اختلف الدرج كان الأقرب أحق ، وإن قوي الآخر لتعصيب كأخ لأب وابن أخ لأب وأم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث