الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الفصل الثاني في المصيد به

جزء التالي صفحة
السابق

الفصل الثاني : في المصيد به ، وهو كل حيوان معلم ، وقاله ( ش ) ، و ( ح ) لقوله - عليه السلام - : ( إذا أرسلت كلبك المعلم ، وذكرت اسم [ ص: 171 ] الله عليها ، فكل مما أمسكن عليك ، وإن قتلن ، وإن أكلن فلا تأكل ، فإني أخاف أن يكون أمسك على نفسه ) في الصحيحين ، فاشترط التعليم ليكون كالآلة للصائد لئلا يمسك على نفسه فيصير ميتة . أو سلاح محدود رفقا بالحيوان لما في مسلم أنه سأله - عليه السلام - عدي بن حاتم عن المعراض ، فقال : ( إن أصابه بحده فكل ، وإن أصابه بعرضه فلا تأكل ، فإنه وقيذ ) وقال لأبي ثعلبة : ( ما أصبت بقوسك فاذكر اسم الله وكل ) وفي الكتاب : المعلم من الحيوان هو الذي إذا زجر انزجر ، وإذا أرسل أطاع ، والسلالقة وغيرها سواء . قال أبو الطاهر : في صفة التعليم أربعة أقوال : ما في الكتاب ، والثاني : إذا دعي أجاب من الكلاب ، ولا يشترط في الطير الانزجار . الثالث : التسوية لابن القاسم وغيره في اشتراط الثلاثة الأوصاف ، الرابع : الانزجار ليس شرطا لقوله في الكتاب : إذا أدرك الصيد ينهش ، وفات قبل ذكاته أكل . قال : هذه حكاية اللخمي ، وهو ليس بخلاف ، وإنما يقال : كل ما يمكن من التعليم ، فهو مشترط ، والمقصود انتقال الجارح عن طبعه حتى يصير للصائد كالآلة المستعملة . قال صاحب الإكمال : مذهب مالك وأحد قولي ( ش ) إذا أكل الكلب من الصيد يؤكل ، ومذهب ( ح ) ، وابن حنبل ، وأحد القولين عندنا لا يؤكل بخلاف البازي عندنا ، وعندهم للحديث السابق ، ولقوله تعالى : ( مما أمسكن عليكم ) ( المائدة : 4 ) وهو إنما أمسك على نفسه ، والجواب [ ص: 172 ] عن الأول قوله - عليه السلام - في أبي داود : ( إن أكل فكل ) فيجمع بينهما بجعل النهي على الكراهة ، وعن الثاني : أن الآية إنما أشارت إلى منع الأكل بغير إرسال . قال المازري : قد أنكر على الفقهاء إطلاقهم الإشلاء على الإرسال ، وإنما هو الدعاء ، ولعل الفقهاء استعملوه مجازا ; لأن الدعاء قبل الإرسال وسببه ، فيكون من مجاز إطلاق التسبب على السبب ، ولا يكون الحيوان معلما بمطاوعته مرة ، ولا غير معلم بمعصيته مرة ، بل ذلك راجع إلى شهادة العادة دون تحديد عند مالك ، وحدد ( ح ) بترك الكلب للأكل ثلاث مرات ; لأنه مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما ، ولأن الثلاثة معتبرة في موارد عدة من الشريعة في الخيار والهجران والإحراد ، وجوابه : أن هذا قد لا يوجب الوثوق بتعليم الحيوان ، واستثنى ابن حنبل الكلب الأسود ، وخصص ابن عمر رضي الله عنهما الحيوان المصيد به بالكلاب لقوله تعالى : ( مكلبين ) ورآه مأخوذا من الكلب ، وجوابه : أنه مأخوذ من الكلب بتحريك اللام الذي هو الحرص ; لأن المعلم يزداد حرصه بالزجر ، وقيل : التكليب : التسليط ، وقيل : التعليم . سلمنا أنه من الكلب لكن السباع كلاب لقوله - عليه السلام - في عتبة بن أبي لهب : ( اللهم سلط عليه كلبا من كلابك ) فافترسه الأسد . قال ابن يونس : الفهد ، وجميع السباع إذا علمت كالكلب إلا النمس ; لأنه لا يفقه التعليم . قال اللخمي : الصيد ذكاته بتسعة شروط : ثلاثة في الجارح : التعليم ، [ ص: 173 ] والإرسال ، وعدم الرجوع ، وثلاثة في المصيد : العجز عنه ، ورؤية الجوارح له احترازا من الغيضة ، أو يموت من الجزع لا من الصدوم ، وثلاثة في المرسل : صحة ذكاته ، وإسلامه ، وعدم رجوعه عن الطلب .

فائدة : الجوارح جمع جارحة ، وقيل : مأخوذ من الجرح بضم الجيم ، وقيل : من الجرح بفتحها ، وهو الكسب لقوله تعالى : ( ويعلم ما جرحتم بالنهار ) ( الأنعام : 60 ) .

تمهيد : المطلوب في الحيوان القصد إلى استخراج الدم الحرام من اللحم الحلال بأسهل الطرق عليه إن أمكن بآلة تصلح لذلك ، وهذا كله متيسر في الإنسي ، ويتعذر في الوحشي استخراج الدم . وسهولة الطريق ، وبقي القصد ، والآلة ، ونزل السهم منزلة المدية لضرورة النفار ، والتوحش ، فهو في المرتبة الثانية ، ويليه في المرتبة الثالثة الجارح ; لأن له اختيارا يبعد به عن كونه آلة لكن عدم العقل فيه مخل باختياره ، فسقط اعتباره ، ولذلك لا يصح أن يكون المجوسي آلة ؛ لعقله وكمال اختياره ، وفي الكتاب : إذا شارك المعلم غير المعلم ، أو كلب غير مرسل لا يؤكل إلا أن تعلم ذكاة المعلم أو المرسل دون غيره لعدم تيقن السبب المبيح ، فإن أرسل جماعة كلابا ، وتوافقت جميعا أكل ، وهو لهم ، وإن اختص كلب أحدهم بقتله اختص به . قال محمد : ولو أرسل كلبا بعد كلب ، فقتلاه ، أو أحدهما أكل . قال أصبغ : ما لم يكن إرسال الثاني بعد أخذ الأول له ، فقتله الثاني أو شاركه ; لأنه صار مقدورا عليه . قال اللخمي : قال ابن شعبان : لو كان لواحد جارح ، وللآخر اثنان اقتسما الصيد نصفين ، أو جارح واحد ملكهما فيه مختلف الأجزاء فكذلك ، والمعروف من المذهب لمالك وأصحابه أنه على قدر الأجزاء ، فكذلك العبد والبازي في ذلك سواء ، وأنكر المازري [ ص: 174 ] على اللخمي أن أصل المذهب القسمة على عدد الكلاب ، بل قال المذهب : إلغاء تفاوت العدد والأجزاء .

نظائر : قال العبدي : ستة مسائل تختص بالرءوس دون الأنصباء : الصيد لا تعتبر فيه كثرة الكلاب ، وأجرة القاسم ، وكنس المراحض ، وحراسة أعدال المتاع وبيوت الغلات ، وأجرة السقي على المشهور ، وحراسة الدابة . وأربعة مسائل تعتبر فيها الأنصباء : الشفعة ، وزكاة الفطر عن العبد المشترك ، والتقويم في العتق ، وكنس السواقي .

فرع

قال المازري : فلو غصب كلبا أو بازيا ، فصاد بهما ، فقيل : الصيد للغاصب ; لأن الكلب لو انفرد به لكان ميتة ، فالمعتبر إنما هو الصائد لقصده وتسميته ، فيكون له ، وقيل : لصاحب الجارح ; لأنه المباشر للممسك بقصده ، وقوته ، والصائد متسبب ، فيقدم المباشر على المتسبب كما في القصاص ، وهو لا يقبل الملك ، فيكون لربه ، ولو غصب سلاحا فللغاصب ; لأن السلاح لا قصد له ، وفي الكتاب : المصيد بحجر أو بندق لا يؤكل ولو بلغ مقاتله ; لأنه رض ، وكذلك المعراض إذا أصاب بعرضه ، وقاله ( ح ) ، و ( ش ) ، وكل ما جرح بحده أكل ، كان عودا أو عصا أو رمحا ، والمعراض خشبة في رأسها زج قال صاحب الإكمال : وقيل : سهم طويل له أربع قذذ رقاق إذا رمي به اعترض ، وقال الخليل : هو سهم دون ريش ، وقيل : عود رقيق الطرفين غليظ الوسط . والخذف لا يباح الرمي به ; لأن مصيده وقيذ كالبندقية ، وعند الجمهور لا يؤكل ما أصاب [ ص: 175 ] المعراض بعرضه خلافا لأهل الشام ، ولا مصيد البندقية خلافا لـ ( ش ) وجماعة ، فظاهر كلامه تحريم الرمي بالبندق ابتداء ، وإن ذكي مرميه ، وبه قال ( ش ) خلافا لابن حنبل ، ولا ينبغي خلاف في إباحة الرمي به السباع الصوائل والعدو المحارب ، وفي الكتاب : ما قتلت الحبالة ، وهي الشرك لا يؤكل إلا ما ذكي ، ولو كانت فيه حديدة أنفذت مقاتله لعدم التسمية عند القتل ، وقاله ( ش ) خلافا لابن حنبل . قال اللخمي : ولا يؤكل مصيد السهم المسموم ; لأن موته قد يكون بالسم دون السهم ، ولأن أكله قد يهلك .

فرع

قال صاحب البيان : موضع ناب الكلب يؤكل عندنا ; لأنه طاهر ، وقال ( ش ) في أحد قوليه ، وابن حنبل : يغسل سبعا لنجاسته ، ويقطع موضع اللعاب .

فرع

قال اللخمي : قال مالك : من عمل الناس : اتخاذ أبرجة الحمام وإن عمرت من حمام الناس . قال : وهذا إذا لم يحدث الثاني بقرب الأول ; لأنه ضرر . قال : وإذا دخل حمام برج على آخر ، فثلاثة أقوال : إن عرف وقدر على رده رد ، وإن عرف ولم يقدر على رده . قال ابن القاسم : هو للثاني . قال ابن حبيب : بل ترد فراخه ، وإن لم يعرف ، أو عرف ، ولم يعرف عينه ، فللثاني ; لأن الأول إنما ملكه بسبب الحيازة ، وقد ذهبت لا أنه ملك محقق ، فإن أوى إلى دار رجل ، ولم يعلم صاحبه ، وعلم أنه بريء ، فله ملكه [ ص: 176 ] وإن عرف بوجه رده على قول مالك ، وإن كان من حمام البيوت رده ولم يتعرض لحبسه ، فهو لقطة ، وهو بالخيار بين بيعه للصدقة بثمنه ، وبين حبسه والصدقة بثمنه ، فإن حبسه ولم يتصدق بشيء ، فواسع ليسارته ، والأجباح يجري نصبها على ما تقدم في الأبراج ، فلا تنصب في القرب ، فإن فعل وليس ثم إلا نحل مربوب فهو فيما دخل إليه أسوة ، فإن كان ثم نحل كثر غير مربوب فيما دخل إليه فلينصب ، وما دخل إليه فهو له ، فإن دخل فرخ جبح آخر . قال سحنون : هو لمن دخل إليه كالحمام إذا لم يقدر على رده ، وقال ابن حبيب : يرده إن عرف موضعه ، وإن لم يقدر رد فراخه ، ويلزمه أن يقول برد ذلك العسل ، وانتقال الملك في النحل أقوى من الحمام ; لأنه يصاد ، والنحل لا يصاد ، بل يأوي بنفسه ، وفي الكتاب : من صاد حمام برج رده إن قدر ، وإلا فلا ، ومن وضع جبحا ، فله ما دخل من النحل . قال ابن يونس : قال التونسي : إذا تزوجت جماعة من البيوت مع ذكر له ردها له مع نصف الفراخ ، فإن الأب والأم يشتركان في الفرخ ، وقال مطرف : لا يتخذ النحل والحمام حيث يؤذيان في الثمار ، والزروع ، وجوزه أصبغ .

فرع

في الكتاب : من قتل كلب صيد ، أو زرع ، أو ضرع فعليه قيمته ، أو من كلاب الدور ، فلا شيء عليه ; لأنها تقتل ، ولا تترك ، ولا يجوز بيع كلب سوقي ، ولا غيره لنهيه - عليه السلام - عن ثمن الكلب . قال صاحب الإكمال : مذهب مالك ، وأصحابه قتل الكلاب إلا ما استثني للصيد وما ذكر معه ، وعندي أن الجمع بين الأحاديث الاقتصار بالقتل على الأسود البهيم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث