الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 214 ] باب ما جاء في الزنا لا يحرم الحلال من الجامع ومن اليمين مع الشاهد

مسألة : قال الشافعي رحمه الله : " الزنا لا يحرم الحلال ، وقاله ابن عباس ( قال الشافعي ) : لأن الحرام ضد الحلال ، فلا يقاس شيء على ضده ، قال لي قائل يقول : لو قبلت امرأته ابنه بشهوة حرمت على زوجها أبدا ، لم قلت لا يحرم الحرام الحلال ؟ قلت من قبل أن الله تعالى إنما حرم أمهات نسائكم ونحوها بالنكاح ، فلم يجز أن يقاس الحرام بالحلال ، فقال : أجد جماعا وجماعا ، قلت : جماعا حمدت به ، وجماعا رجمت به ، وأحدهما نعمة ، وجعله الله نسبا وصهرا ، وأوجب حقوقا ، وجعلك محرما به لأم امرأتك ولابنتها ، تسافر بهما ، وجعل الزنا نقمة في الدنيا بالحد ، وفي الآخرة بالنار ، إلا أن يعفو ، أفتقيس الحرام الذي هو نقمة على الحلال الذي هو نعمة ؟ وقلت له : فلو قال لك قائل وجدت المطلقة ثلاثا تحل بجماع زوج فأحلها بالزنا : لأنه جماع كجماع ، كما حرمت به الحلال : لأنه جماع وجماع ، قال : إذا نخطئ : لأن الله تعالى أحلها بإصابة زوج ، قيل : وكذلك ما حرم الله تعالى في كتابه بنكاح زوج وإصابة زوج ، قال : أفيكون شيء يحرمه الحلال ولا يحرمه الحرام فأقول به ؟ قلت : نعم ينكح أربعا ، فيحرم عليه أن ينكح من النساء خامسة ، أفيحرم عليه إذا زنا بأربع شيء من النساء ؟ قال : لا يمنعه الحرام مما يمنعه الحلال ( قال ) وقد ترتد فتحرم على زوجها : قلت : نعم ، وعلى جميع الخلق ، وأقتلها وأجعل مالها فيئا ( قال ) فقد أوجدتك الحرام يحرم الحلال ، قلت : أما في مثل ما اختلفنا فيه من أمر النساء فلا ( قال المزني ) رحمه الله : تركت ذلك لكثرته وأنه ليس بشيء " .

قال الماوردي : قد مضى الكلام في تحريم المصاهرة بعقد النكاح وفي تحريمها بوطء الإماء ، كذلك الوطء بالشبهة يوجب من تحريم المصاهرة مثل ما يوجبه الوطء الحلال في عقد نكاح أو ملك يمين : لأنه لما ساواه في سقوط الحد ولحوق النسب ساواه في تحريم المصاهرة .

فأما وطء الزنا فلا يتعلق به تحريم المصاهرة بحال ، فإذا زنا الرجل بامرأة لم تحرم عليه أمها ولا بنتها ، ولم يحرم على أبيه ولا على ابنه .

وبه قال - من الصحابة - علي بن أبي طالب ، وعبد الله بن عباس .

[ ص: 215 ] ومن التابعين : سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير والزهري .

ومن الفقهاء : مالك ، وربيعة ، وأبو ثور .

وقال أبو حنيفة : الزنا كالحلال في تحريم المصاهرة ، فإذا زنا بامرأة حرمت عليه أمها وبنتها ، وحرمت على أبيه وابنه ، ولو زنا بامرأة أبيه أو ابنه ، بطل نكاحها ، وكذلك لو قبلها ، أو لمسها ، أو تعمد النظر إلى فرجها بشهوة بطل نكاحها على أبيه وابنه ، وحرم عليه أمها وبنتها . وهو قول الثوري وأحمد ، وإسحاق ، وحكي نحوه عن عمران بن الحصين . وزاد الأوزاعي ، فقال : إذا تلوط الرجل بغلام ، حرمت عليه أمه وبنته ، وحرم على الغلام أمه وبنته .

واستدلوا جميعا بعموم قول الله تعالى : ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء [ النساء : 22 ] . والنكاح حقيقة في الوطء ، فاقتضى عموم الوطء تحريم التي وطئها الأب .

قالوا : وقد روى ابن عباس : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا ينظر الله إلى رجل نظر إلى فرج امرأة وبنتها ، فاقتضى إذا نظر إلى فرج امرأة في الزنا أن لا ينظر إلى فرج ابنتها في النكاح .

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : من كشف خمار امرأة حرم عليه أمها وبنتها فكان على عمومه في كشف الخمار لنكاح أو زنا ، قالوا : ولأنه وطء مقصود فوجب أن يتعلق به تحريم المصاهرة كالنكاح ، ولأنه تحريم يتعلق بالوطء المباح ، فوجب أن يتعلق بالوطء المحظور قياسا على وطء الشبهة : ولأنه فعل يتعلق به التحريم فوجب أن يستوي حكم محظوره ومباحه كالرضاع .

ودليلنا قوله تعالى : وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا [ الفرقان : 54 ] فجمع بين المائين الصهر والنسب ، فلما انتفى عن الزنا حكم النسب انتفى عنه حكم المصاهرة ، وروى نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الحرام لا يحرم الحلال .

وروي عن الزهري عن عائشة قالت : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل ينكح المرأة حراما أينكح ابنتها ؟ ، أو ينكح البنت حراما أينكح أمها ؟ : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يحرم الحرام الحلال ، إنما يحرم ما كان بنكاح حلال . وهذا نص لا يجوز خلافه .

ومن طريق القياس أنه وطء تمحض تحريمه فلم يتعلق به تحريم المصاهرة كوطء الصغيرة التي لا تشتهى ، ولأنه وطء لا يوجب العدة فلم يوجب تحريم المصاهرة كوطء الصغيرة والميتة ، ولأنه تحريم نكاح يتعلق بالوطء الصحيح فوجب أن ينتفي عن الزنا الصريح قياسا على تحريم العدة ، ولأنه وطء لا يتعلق به التحريم المؤقت ، فوجب أن يتعلق به التحريم المؤبد كاللواط ، ولأن ما أوجب تحريم المصاهرة افترق حكم حلاله وحرامه كالعقد ، ولأن المواصلة التي ثبت في الوطء بالنكاح تنتفي عن الوطء بالزنا قياسا على [ ص: 216 ] مواصلة النسب : ولأنه لما انتفى عن وطء الزنا ما يتعلق بوطء النكاح من الإحصان ، والإحلال ، والعدة ، والنسب انتفى عنه ما يتعلق به من تحريم المصاهرة ، ولأنه لو ثبت تحريم المصاهرة بما حرم من الوطء ، والقبلة ، والملامسة بشهوة لما شاءت المرأة أن تفارق زوجها إذا كرهته إذا قدرت على فراقه بتقبيل ابنه فيصير الفراق بيدها ، وقد جعله الله بيد الزوج دونها ، ولا يبطل هذا بالردة : لأن ما يلزمها من القتل بالردة أعظم مما تستفيده من الفرقة ، فلم تخلص لها الفرقة بالردة ، وخلصت لها بالقبلة .

فأما الجواب عن قوله تعالى : ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم [ النساء : 22 ] فهو أن النكاح حقيقة في العقد ، فجاز في الوطء ، ألا ترى إلى قوله تعالى : ياأيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن [ الأحزاب : 49 ] وقوله تعالى : وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم [ النور : 32 ] يريد به العقد دون الوطء ، ثم لو تناول الوطء مجازا عندنا وحقيقة عندهم ، فجاز أن يكون محمولا على حلاله مخصوصا في حرامه بدليل ما ذكرنا .

وأما احتجاجهم بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : لا ينظر الله إلى رجل نظر إلى فرج امرأة وبنتها فعنه جوابان :

أحدهما : أنه مروي عن وهب بن منبه أنه مكتوب في التوراة فلم يلزمنا لنسخها بالقرآن .

والثاني : أن ما تضمنه من الوعيد متوجه إليه في الحرام دون الحلال : لأن أحدهما لا محالة حرام .

وأما احتجاجهم بقوله صلى الله عليه وسلم من كشف خمار امرأة حرمت عليه أمها وبنتها ، فلا دليل في ظاهره فعمل بموجبه : لأن كشف الخمار لا يحرم عليه أمها ولا بنتها ، فإن عدلوا به عن ظاهره إلى الوطء ، عدلنا به إلى حلال الوطء أو شبهته .

وأما قياسهم بأنه وطء مقصود كالنكاح ، فليس لقولهم " وطء مقصود " تأثير في الحكم : لأن وطء العجوز الشوهاء غير مقصود ، وهو في تحريم المصاهرة كوطء الشابة الحسناء ، وإذا سقط اعتباره لعدم تأثيره انتقض بوطء الميتة ، ثم المعنى في النكاح أنه أوجب لحوق النسب ، فلذلك أوجب تحريم المصاهرة ، وليس كذلك الزنا ، وكذلك الجواب عن قياسهم على وطء الشبهة .

وأما قياسهم على الرضاع بعلة أنه فعل يتعلق به التحريم فمنتقض بالعقد يفترق حكم محظوره الفاسد ومباحه الصحيح .

وإن قيل : فالعقد قول ، وليس بفعل .

قيل : القول فعل ، ثم المعنى في الرضاع أنه لما تعلق لمحظوره شابه أحكام المباح لم يتعلق به تحريم المصاهرة .

[ ص: 217 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث