الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 251 ] باب النهي أن يخطب الرجل على خطبة أخيه

قال الشافعي ، رحمه الله تعالى : " أخبرنا مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم قال : لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه . وقال عليه الصلاة والسلام لفاطمة بنت قيس " إذا حللت فآذنيني " ، قالت : فلما حللت أخبرته أن معاوية وأبا جهم خطباني ، فقال : " أما معاوية فصعلوك لا مال له ، وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه ، انكحي أسامة فدلت خطبته على خطبتهما أنها خلاف الذي نهى عنه أن يخطب على خطبة أخيه إذا كانت قد أذنت فيه ، فكان هذا فسادا عليه ، وفي الفساد ما يشبه الإضرار ، والله أعلم ، وفاطمة لم تكن أخبرته أنها أذنت في أحدهما " .

قال الماوردي : وهذا صحيح .

وقد روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ولا يخطب أحدكم على خطبة أخيه وروى أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه حتى ينكح أو يترك وهذان الحديثان صحيحان ، وليس النهي فيهما محمولا على الظاهر من تغيير حال المخطوبة ، فإذا خطب الرجل نكاح امرأة لم يخل حالها من أربعة أقسام :

القسم الأول : إما أن يأذن له في نكاحها فتحرم بعد إذنها على غيره من الرجال أن يخطبها : لنهيه صلى الله عليه وسلم عنه : حفظا للألفة ، ومنعا من الفساد ، وحسما للتقاطع ، وسواء كان الأول كفئا أو غير كفء .

وقال ابن الماجشون : إن كان الأول غير كفء لم تحرم على غيره من الأكفاء خطبتها بناء على أصله في أن نكاح غير الكفء باطل ، وإن تراضى به الأهلون ، وقد تقدم الدليل على صحة نكاحه ، فإن رجع الأول عن خطبته أو رجعت المرأة عن إجابتها ارتفع حكم الإذن ، وعادت إلى الحال الأولى في إباحة خطبتها : لحديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه حتى ينكح أو يترك .

والقسم الثاني : أن ترد خاطبها ، وتمنع من نكاحه فيجوز لغيره من الرجال أن يخطبها : [ ص: 252 ] لأن المقصود بالنهي عن الخطبة رفع الضرر ، والمنع من التقاطع ، فلو حمل النهي على ظاهره فيمن لم تأذن له حل الضرر عليها .

والقسم الثالث : أن تمسك عن خطبتها ، فلا يكون منها إذن ولا رضا ، ولا يكون منها رد ولا كراهية ، فيجوز خطبتها وإن تقدم الأول بها : لحديث فاطمة بنت قيس المخزومية أن زوجها أبا عمرو بن حفص بت طلاقها ، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم : إذا حللت فآذنيني ، فلما حلت جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالت : يا رسول الله قد خطبني معاوية وأبو جهم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أما معاوية فصعلوك لا مال له ، وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه .

وروى عطاء عن عبد الرحمن بن عاصم عن فاطمة بنت قيس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها : أما أبو جهم فأخاف عليك فسفاسته ، وأما معاوية فرجل أخلق من المال - أما الفسفاسة : فهي العصا ، وأما الأخلق من المال ، فهو الخلو منه - انكحي أسامة بن زيد ، قالت : فكرهته ، ثم أطعت رسول الله صلى الله عليه وسلم فنكحته فرزقت منه خيرا واغتبطت به ، فكان الدليل من هذا الحديث من وجهين :

أحدهما : أن أحد الرجلين قد خطبها بعد صاحبه فلم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم تحريمه .

والوجه الثاني : أن النبي صلى الله عليه وسلم قد خطبها لأسامة بعد خطبتها فدل على أن الإمساك عن الإجابة لا يقتضي الخطبة :

والقسم الرابع : أن يظهر منها الرضا بالخاطب ، ولا تأذن في العقد ، وذلك بأن تقرر صداقها أو بشرط ما تريد من الشروط لنفسها ، ففي تحريم خطبتها قولان :

أحدهما - وبه قال في القديم ، وهو مذهب مالك - : أنها تحرم خطبتها بالرضا : استدلالا بعموم النهي .

والقول الثاني - وبه قال في الجديد - : أنه لا تحرم خطبتها بالرضا حتى تصرح بالإذن : لأن الأصل إباحة الخطبة ما لم تتحقق شروط الحظر ، فعلى هذا وإن اقترن برضاها إذن الولي فيه نظر : فإن كانت ثيبا لا تتزوج إلا بصريح الإذن لم تحرم خطبتها ، وإن كانت بكرا فيكون الرضا والسكوت منها إذنا حرمت خطبتها برضاها وإذن وليها ، وهاهنا قسم خامس : وهو أن يأذن وليها من غير أن يكون منها إذن أو رضا ، فإن كان هذا الولي ممن يزوج بغير إذن كالأب والجد مع البكر حرمت خطبتها بإذن الولي ، وإن كان ممن لا يزوج إلا بإذن لم تحرم خطبتها بإذن الولي حتى تكون هي الآذنة فيه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث