الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 255 ] باب نكاح المشرك ، ومن أسلم وعنده أكثر من أربع ، من هذا ومن كتاب التعريض بالخطبة

قال الشافعي : " أخبرنا الثقة - أحسبه إسماعيل بن إبراهيم - عن معمر ، عن الزهري ، عن سالم بن عبد الله ، عن أبيه قال : أسلم غيلان بن سلمة وعنده عشر نسوة ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : أمسك أربعا وفارق سائرهن ، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل يقال له الديلمي أو ابن الديلمي أسلم وعنده أختان : اختر أيتهما شئت وفارق الأخرى ، وقال لنوفل بن معاوية وعنده خمس ، فارق واحدة وأمسك أربعا قال فعمدت إلى أقدمهن ففارقتها ، ( قال الشافعي ) رحمه الله تعالى : وبهذا أقول ولا أبالي ، أكن في عقدة واحدة أو في عقد متفرقة إذا كان من يمسك منهن يجوز أن يبتدئ نكاحها في الإسلام ما لم تنقض العدة قبل اجتماع إسلامهما : لأن أبا سفيان وحكيم بن حزام أسلما قبل ، ثم أسلمت امرأتاهما ، فاستقرت كل واحدة منهما عند زوجها بالنكاح الأول ، وأسلمت امرأة صفوان وامرأة عكرمة ، ثم أسلما فاستقرتا بالنكاح الأول ، وذلك قبل انقضاء العدة " .

قال الماوردي : وهذا كما قال ، الأصل تحريم التناكح بين المسلمين ، والمشركين قول الله تعالى : ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم [ البقرة : 221 ] وقال تعالى : ولا تمسكوا بعصم الكوافر [ الممتحنة : 10 ] وقال تعالى : فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن [ الممتحنة : 10 ] وقال النبي صلى الله عليه وسلم : أنا بريء من كل مسلم مع مشرك وإذا كان كذلك فالمسلمة لا تحل لكافر بحال سواء كان الكافر كتابيا أو وثنيا ، فأما المسلم فيحل له من الكفار الكتابيات من اليهود والنصارى على ما ذكرنا ويحرم عليه ما عداهن من المشركات .

فأما إذا تناكح المشركون في الشرك فلا اعتراض عليهم فيها ، فإن أسلموا عليها فمنصوص الشافعي في أكثر كتبه جواز مناكحهم وإقرارهم عليها بعد إسلامهم : لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقر من أسلم على نكاح زوجته ، وروى داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس قال : رد رسول الله صلى الله عليه وسلم بنته زينب على أبي العاص بن الربيع بالنكاح الأول ، ولم يحدث شيئا

[ ص: 256 ] وقال الشافعي في بعض كتبه : إن مناكحهم باطلة ، وقال في موضع آخر : إنها معفو عنها ، فغلط بعض أصحابنا فخرج اختلاف هذه النصوص الثلاثة على ثلاثة أقاويل ، الذي عليه جمهورهم أنه ليس ذلك لاختلاف أقاويله فيها ، ولكنه لاختلاف أحوال مناكحهم ، وهي على ثلاثة أقسام : صحيحة ، وباطلة ، ومعفو عنها .

فأما الصحيح منها : فهو أن يتزوج الكافر الكافرة بولي وشاهدين بلفظ النكاح ، وليس بينهما نسب يوجب التحريم ، فهذا النكاح صحيح ، فإذا أسلموا عليه أقروا وهو الذي أراده الشافعي بالصحة .

فأما الباطل منها : فهو أن يتزوج في الشرك بمن تحرم عليه بنسب ، أو رضاع ، أو مصاهرة ، فهذا النكاح باطل ، فإذا أسلموا عليه لم يقروا ، وكذلك لو نكحها بخيار مؤبد ، وهذا الذي أراده الشافعي بأنه باطل .

وأما المعفو عنه : فهو أن يتزوج من لا تحرم عليه بنسب ، ولا رضاع ، ولا مصاهرة ، بما يرونه نكاحا من غير ولي ولا شهود ، ولا بلفظ نكاح ولا تزويج ، فهذا معفو عنه ، فإذا أسلموا قروا عليه : لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكشف عن مناكح من أسلم من المشركين ، وهو الذي أراده الشافعي بأنه معفو عنه ، والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث