الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


مسألة : قال الشافعي : " ولو أسلم وعنده أربع زوجات إماء ، فإن لم يكن معسرا يخاف العنت أو فيهن حرة انفسخ نكاح الإماء ، وإن كان لا يجد ما يتزوج به حرة ويخاف العنت ولا حرة فيهن ، اختار واحدة وانفسخ نكاح البواقي " .

قال الماوردي : وصورة هذه المسألة في مشرك تزوج في الشرك بإماء مشركات ، ثم أسلم وأسلمن معه ، فهذا على ضربين :

أحدهما : أن يكون معهن حرة . والثاني : أن لا يكون .

فإن لم يكن معهن حرة ، وكن إماء لا حرة فيهن ، فلا يخلو حاله عند إسلامه وإسلامهن من أمرين : [ ص: 266 ] أحدهما : أن يكون ممن يجوز له نكاح الإماء : لعقد الحرة وعدم الطول وخوف العنت ، فيجوز له أن يختار واحدة منهن ويفارق من سواها : لأنه في حال يجوز له أن يبتدئ فيها نكاح الأمة ، فجاز أن يستديم فيهما نكاح الأمة .

والحال الثانية : أن يكون عند إسلامه وإسلامهن ممن لا يجوز أن يبتدئ نكاح الأمة : لوجود الطول أو أمن العنت ، فنكاح الإماء قد بطل اعتبارا بحال إسلامه معهن ، وأنه ممن لا يجوز له أن يبتدئ نكاح أمة ، فلم يكن له أن يستديم بالاختيار نكاح أمة .

وقال أبو ثور : يجوز له أن يستديم نكاح أمة منهن باختياره ، وإن كان ممن لا يجوز له أن يبتدئ نكاح أمة : استدلالا بأن الشرط في نكاح الأمة معتبر في ابتداء العقد عليها ، وليس بمعتبر في استدامة نكاحها ، ألا تراه لو تزوجها لخوف العنت ثم أمن العنت جاز أن يستديم نكاحها ، وإن لم يجز أن يبتدئه كذلك المشرك إذا أسلم مستديما لنكاحها ، وليس بمبتدئ فجاز أن يقيم على نكاحها مع عدم الشرك ، وإن لم يجز أن يبتدئه .

قال : ولأنه لو وجب أن يعتبر شروط الابتداء في وقت استدامته عند الإسلام ، لوجب اعتبار الولي والشاهدين ، فلما لم يعتبر هذا لم يعتبر ما سواه .

ودليلنا : هو أن نكاح الأمة لا يحل إلا باعتبار شروطه ، فلما لم تعتبر وقت عقده في الشرك ، وجب أن تعتبر وقت اختياره في الإسلام : لئلا يكون العقد عليها خاليا من شروط الإباحة في الحالين ، وفي هذا انفصال عن استدلاله الأول : لأننا قد اعتبرنا شروط الإباحة في الابتداء فلم نعتبرها في الاستدامة ، ويكون الفرق بين هذا وبين استدلاله الثاني ، بأن الولي والشاهدين وإن كان شرطا في العقد ، فهو غير معتبر في الحالين : لأن الولي والشاهدين من شروط العقد وعقد الشرك معفو عنه فعفي عن شروطه ، وليس كذلك شروط نكاح الأمة : لأنها من شروط الإباحة وشروط الإباحة معتبرة وقت الاختيار ، ألا تراه لو نكح في الشرك معتدة ثم أسلما ، وهي في العدة كان النكاح باطلا : لأنها وقت الاختيار غير مباحة ، كذلك الأمة .

ويتفرع على هذا التفريع ثلاثة فروع :

أحدها : أن تسلم المشركة مع زوجها وهي في عدة من وطء شبهة ، فقد اختلف أصحابنا في إباحتها على وجهين :

أحدهما : وهو قول ابن سريج أن نكاحها باطل : اعتبارا بما قررناه ، بأنه لا يستبيح العقد عليها وقت الإسلام ، كما لو نكحها في العدة ثم أسلما وهي في العدة .

والوجه الثاني : وهو أظهر ، أن النكاح جائز : لأن حدوث العدة في النكاح بعد صحة عقدها لم يؤثر في نكاح المسلم ، فأولى أن لا يؤثر في نكاح المشرك .

والفرع الثاني : أن يسلم أحد الزوجين المشركين ويحرم بالحج ، ثم يسلم الثاني في العدة ، فالأول على إحرامه ، وفي النكاح وجهان : [ ص: 267 ] أحدهما - وهو قول أبي بشار الأنماطي - : أن النكاح باطل : اعتبارا بما قررناه من أنه لا يستبيح العقد عليها عند اجتماع الإسلامين ، فصار كما لو ابتدأ نكاحهما في وقت الإحرام .

والوجه الثاني - وهو أظهر ، وقد نص عليه الشافعي - : أن النكاح جائز : لأن حدوث الإحرام في النكاح بعد صحة عقده لا يؤثر في فسخه .

والفرع الثالث : أن من تزوج أمة على الشرط المبيح ثم طلقها ، وقد ارتفع الشرط طلاقا رجعيا فله أن يراجعها ، وإن كان ممن لا يجوز له أن يبتدئ نكاحها ، وهذا متفق عليه بين جميع أصحابنا : لأن الرجعية زوجة ، ولذلك ورثت ووارثت ، وإنما يزال بالرجعية تحريم الطلاق ، فلم يعتبر في هذه الحال شروط الإباحة في ابتداء ، ألا تراه لو رجع وهو محرم جاز ، وإن لم يجز أن يبتدئ نكاحها محرما ، والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث