الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


مسألة : قال الشافعي : " ولا تحل ذبيحة من ولد من وثني ونصرانية ، ولا من نصراني ووثنية ، ولا يحل نكاح ابنتهما : لأنها ليست كتابية خالصة ( وقال ) في كتاب آخر : إن كان أبوها نصرانيا حلت ، وإن كان وثنيا لم تحل : لأنها ترجع إلى النسب ، وليست كالصغيرة يسلم أحد أبويها : لأن الإسلام لا يشركه الشرك ، والشرك يشركه الشرك " .

قال الماوردي : قد ذكرنا أن أهل الكتاب من اليهود والنصارى يحل أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم ، وأن المجوس وعبدة الأوثان لا يحل أكل ذبائحهم ولا نكاح نسائهم ، فأما المولود من بين أهل الكتاب وعبدة الأوثان إذا كان أحد أبويه كتابيا ، والآخر وثنيا ، فضربان :

أحدهما : أن يكون الأب وثنيا ، والأم كتابية يهودية أو نصرانية ، فلا يختلف مذهب الشافعي : أنه لا يحل أكل ذبيحة هذا الولد ، ولا ينكح إن كان امرأة : تغليبا لحكم أبيه .

وقال أبو حنيفة : يحل نكاحه وأكل ذبيحته : تغليبا لحق أبويه حكما ، استدلالا بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ، كما تنتج الإبل من بهيمة جمعاء هل تحس فيها من جدعاء ، فلم ينقله عن الفطرة وتخفيف الحكم إلى أغلظهما إلا باجتماع أبويه على تغليظ الحكم ، ولأن أحد أبويه مستباح الذبيحة والنكاح ، فوجب أن يكون فيه على حكمه قياسا على من أحد أبويه مسلم .

ودليلنا : عموم قوله تعالى : ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن [ البقرة : 221 ] .

وهذا الولد يطلق عليه اسم المشرك ، ولأنها كافرة فتنسب إلى كافر لا تحل ذبيحته ولا نكاحه فوجب أن لا تحل ذبيحتها ولا نكاحها .

[ ص: 305 ] أصلها : إذا كان أبواها وثنيين ، ولأنه قد اجتمع في هذا الولد موجب حظر وإباحة ، فوجب أن يغلب حكم الحظر على حكم الإباحة : قياسا على المتولد من بين مأكول وغير مأكول ، ولا ينتقض بالولد إذا كان أحد أبويه مسلما والآخر كافرا : لأنه لا يجتمع في الولد حكم الكفر والإسلام : لقوله صلى الله عليه وسلم : الإسلام يعلو ولا يعلى فثبت حكم الإسلام ، وسقط حكم الشرك ، وهذا هو الذي أراده الشافعي بقوله : " لأن الإسلام لا يشركه الشرك ، والشرك يشركه الشرك " يعني أنه قد يجتمع شركان ، ولا يجتمع شرك وإسلام .

واختلف أصحابنا في هذا التعليل ، هل أراد الشافعي أبا حنيفة من هذه المسألة ، وأراد به مالكا في أن إسلام الأم لا يكون إسلاما للولد على وجهين .

فأما الجواب عن الخبر فهو أن المراد به اجتماع الوالدين على الكفر يقتضي تكفير الولد ، وانفراد أحدهما لا يقتضيه فلم يكن دليلا في هذا الوضع : لأن أبويه قد اجتمعا على الكفر .

وأما قياسه على من أحد أبويه مسلم ، فالجواب عنه ما ذكرنا من أن اجتماع الشرك والإسلام يوجب فيه حكم تغليب الإسلام : لأنهما يتنافيان فغلب أقواهما ، والشركان لا يتنافيان فغلب أغلظهما .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث