الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 317 ] باب إتيان النساء في أدبارهن ، من أحكام القرآن ، ومن كتاب عشرة النساء

قال الشافعي ، رحمه الله : " ذهب بعض أصحابنا في إتيان النساء في أدبارهن إلى إحلاله ، وآخرون إلى تحريمه ، وروي عن جابر بن عبد الله من حديث ثابت أن اليهود كانت تقول من أتى امرأته في قبلها من دبرها جاء ولده أحول ، فأنزل الله تعالى نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا سأله عن ذلك فقال النبي صلى الله عليه وسلم : في أي الخربتين ، وفي أي الخرزتين ، أو في أي الخصفتين ، أمن دبرها في قبلها فنعم ، أم من دبرها في دبرها فلا ، إن الله لا يستحي من الحق ، لا تأتوا النساء في أدبارهن ( قال الشافعي ) فلست أرخص فيه بل أنهى عنه " .

قال الماوردي : اعلم أن مذهب الشافعي ، وما عليه الصحابة الفضلاء وجمهور التابعين والفقهاء وطء النساء في أدبارهن أن وطء النساء في أدبارهن حرام .

وحكي عن نافع ، وابن أبي مليكة ، وزيد بن أسلم أنه مباح ، ورواه نافع عن ابن عمر .

واختلفت الرواية فيه عن مالك ، فروى عنه أهل المغرب أنه أباحه في كتاب السيرة .

وقال أبو مصعب : سألته عنه ، فأباحه .

وقال ابن القاسم : قال مالك : ما أدركت أحدا أقتدي به في ديني يشك في أنه حلال ، وأنكر أهل العراق ذلك عنه ، ورووا عنه تحريمه ، لما انتقل ابن عبد الحكم عن مذهب الشافعي إلى مذهب مالك حكى عن الشافعي أنه قال : ليس في إتيان النساء في أدبارهن حديث ثابت ، والقياس يقتضي جوازه ، يريد ابن عبد الحكم بذلك نصرة مالك ، فبلغ ذلك الربيع ، فقال : كذب ، والله الذي لا إله إلا هو لقد نص الشافعي على تحريمه في ستة كتب .

واستدل من ذهب إلى إباحته بما رواه مالك عن نافع عن ابن عمر : أن رجلا أتى امرأة في دبرها ، فوجد في ذلك وجدا شديدا ، فأنزل الله تعالى : نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم [ البقرة : 223 ] . وقال تعالى : أتأتون الذكران من العالمين وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم [ الشعراء : 165 ، 166 ] . فدل على أنه أباح من الأزواج مثل ما حظر من الذكران ، وقال تعالى : هن لباس لكم وأنتم لباس لهن [ البقرة : 187 ] فدل [ ص: 318 ] على أن جميعهن لباس يستمتع به على عمومه ، ولأنه لو استثناه من عقد النكاح فسد ، ولو أوقع عليه الطلاق سرى إلى الباقي ، فدل على أنه مقصود بالاستمتاع ، ولأنه أحد الفرجين فجاز إتيانه كالقبل ، ولأنه لما ساوى القبل في كمال المهر ، وتحريم المصاهرة ، ووجوب الحد ، ساواه في الإباحة .

" ودليلنا " : قوله تعالى : ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض [ البقرة : 222 ] . فحرم الوطء في الحيض : لأجل الأذى ، فكان الدبر أولى بالتحريم : لأنه أعظم أذى ، ثم قال : فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله [ البقرة : 222 ] . يعني في القبل ، فدل على تحريم إتيانها في الدبر .

وروى مسلم بن سلام عن علي بن طلق أن أعرابيا سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " إنا نكون بالفلاة ، فنجد الرويحة والماء قليل ، فقال صلى الله عليه وسلم : إذا فسا أحدكم فليتوضأ ، وخطب الناس ، فقال : لا تأتوا النساء في أعجازهن ، فإن الله لا يستحي من الحق .

وروى سهل بن أبي صالح ، عن محمد بن المنكدر ، عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : استحيوا من الله فإن الله لا يستحي من الحق ، لا تأتوا النساء في حشوشهن .

وروى حجاج بن أرطأة عن عمرو بن شعيب عن عبد الله بن هرمي عن خزيمة بن ثابت ، قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ، يقول : إن الله لا يستحي من الحق ، لا تأتوا النساء في أدبارهن . قال : ملعون من أتى امرأة في دبرها .

وروى قتادة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن إتيان النساء في أدبارهن فقال : إنها اللوطية الصغرى .

وروى يوسف بن ماهك عن أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، قالت : أتت امرأة النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : إن زوجها يأتيها وهي مدبرة ، فقال صلى الله عليه وسلم : لا بأس إذا كان في صمام واحد .

[ ص: 319 ] وروى الشافعي عن جابر بن عبد الله أن اليهود كانت تقول : من أتى امرأة في قبلها من دبرها جاء ولده أحول ، فأنزل الله تعالى : نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم [ البقرة : 223 ] . وأن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : في أي الخربتين ، أو في الخرزتين ، أو في أي الخصفتين ، أمن دبرها في قبلها فنعم ، أم من دبرها في دبرها فلا ، إن الله لا يستحي من الحق ، لا تأتوا النساء في أدبارهن ، ولأنه إجماع الصحابة ، روي ذلك عن علي بن أبي طالب ، وعبد الله بن عباس ، وابن مسعود ، وأبي الدرداء ، أما علي سئل عنه فقال : أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين [ الأعراف : 80 ] . وأما ابن عباس فسأله رجل عنه فقال : هذا يسألني عن الكفر ، وأما ابن مسعود وأبو الدرداء فغلظا فيه وحرماه ، وليس لمن ذكرنا من الصحابة مخالف فصار إجماعا .

فإن قيل : فقد خالفهم ابن عمر ، قيل : قد روى عنه ابنه سالم خلافه ، وأنكر على نافع ما رواه عنه ، وقال الحسن بن عثمان لنافع : أنت رجل أعجمي ، إنما قال ابن عمر : من دبرها في قبلها ، فصحفت وقلت : في دبرها ، فأهلكت النساء .

ومن طريق القياس أنه إتيان ، فوجب أن يكون محرما كاللواط ، ولأنه أذى معتاد فوجب أن يحرم الإصابة فيه كالحيض ، ولا يدخل عليه وطء المستحاضة : لأنه نادر .

فأما الاستدلال بقوله تعالى : نساؤكم حرث لكم فقد روى جابر أن سبب نزولها ما ذكرته اليهود : أن من أتى امرأة من دبرها في قبلها جاء ولده أحول .

وقال ابن عباس : وهم ابن عمر في ذلك ، إنما نزلت فيمن وطء في الفرج من خلفها ، وحكي عن النبي صلى الله عليه وسلم على أن سبب نزولها أن ناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جلسوا يوما مع قوم من اليهود ، فجعل بعضهم يقول إني لآتي امرأتي وهي مضطجعة ، ويقول الآخر إني لآتيها وهي قائمة ، ويقول الآخر إني لآتيها وهي على جنبها ، ويقول الآخر إني لآتيها وهي باركة ، فقال اليهودي : ما أنتم إلا أمثال البهائم ، فأنزل الله هذه الآية على أن قوله : حرث لكم والحرث هو من مزدرع الأولاد في القبل ، دليل على أن الإباحة توجهت إليه دون الدبر الذي ليس بموضع حرث ، ولا من مزدرع لذلك .

وأما قوله تعالى : أتأتون الذكران من العالمين وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم [ الشعراء : 165 ، 166 ] فمعناه أتأتون المحظور من الذكران ، وتذرون المباح من فروج النساء .

وقوله تعالى : هن لباس لكم [ البقرة : 187 ] . فيه تأويلان :

أحدهما : أن اللباس السكن كقوله : وهو الذي جعل لكم الليل لباسا [ الفرقان : 47 ] أي سكنا .

[ ص: 320 ] والثاني : أن بعضهم يستر بعضا كاللباس ، وليس في ذلك على التأويلين دليل لهم .

وأما فساد العقد باستثنائه وسرائه الطلاق به فقد يفسد العقد باستثناء كل عضو لا يصح الاستمتاع به من فؤادها وكبدها ، ويسري منه الطلاق إلى جميع بدنها ولا يدل على إباحة الاستمتاع به ، فكذلك الدبر .

وأما قياسهم على القبل ، فالمعنى فيه : أنه لا أذى فيه .

وأما استدلالهم بما يتعلق به من كمال المهر ، وتحريم المصاهرة فغير صحيح : لأن ذلك يختص بمباح الوطء دون محظوره ألا تراه يتعلق بالوطء في الحيض ، والإحرام والصيام ، وإن كان محظورا فكذلك في هذا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث