الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 328 ] باب نكاح المتعة ، والمحلل ، من الجامع من كتاب النكاح والطلاق ، ومن الإملاء على مسائل مالك ، ومن اختلاف الحديث

قال الشافعي ، رحمه الله تعالى : " أخبرنا مالك عن ابن شهاب ، عن عبد الله والحسن ابني محمد بن علي ، عن أبيهما ، عن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى يوم خيبر عن نكاح المتعة وأكل لحوم الحمر الأهلية ( قال ) وإن كان حديث عبد العزيز بن عمر عن الربيع بن سبرة ثابتا فهو مبين أن النبي صلى الله عليه وسلم أحل نكاح المتعة ثم قال " هي حرام إلى يوم القيامة " ( قال ) وفي القرآن والسنة دليل على تحريم المتعة قال الله تعالى إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن فلم يحرمهن الله على الأزواج إلا بالطلاق ، وقال تعالى : فإمساك بمعروف أو تسريح ، وقال تعالى : وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج فجعل إلى الأزواج فرقة من عقدوا عليه النكاح مع أحكام ما بين الأزواج ، فكان بينا - والله أعلم - أن نكاح المتعة منسوخ بالقرآن والسنة : لأنه إلى مدة ، ثم نجده ينفسخ بلا إحداث طلاق فيه ، ولا فيه أحكام الأزواج " .

قال الماوردي : وهذا كما قال : نكاح المتعة حرام ، وهو أن يقول للمرأة : أمتعيني نفسك شهرا ، أو موسم الحج ، أو ما أقمت في البلد ، أو يذكر ذلك بلفظ النكاح أو التزويج لها ، أو لوليها بعد أن يقدره بمدة ، إما معلومة أو مجهولة ، فهو نكاح المتعة الحرام . وهو قول العلماء من الصحابة ، والتابعين ، والفقهاء ، وحكي عن ابن عباس ، وابن أبي مليكة ، وابن جريج ، والإمامية رأيهم فيه جوازا : استدلالا بقول الله تعالى : فانكحوا ما طاب لكم من النساء [ النساء : 3 ] . فكان على عمومه في المتعة المقدرة والنكاح المؤبد ، وقال تعالى : فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن [ النساء : 24 ] . وهذا أبلغ في النص .

وروى سلمة بن الأكوع أن منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يقول : إن الله قد آذن لكم فاستمتعوا . وهذا نص .

وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال : متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما : متعة النساء ، ومتعة الحج . فأخبر بإباحتهما على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وما ثبت إباحته بالشرع لم يكن له تحريمه بالاجتهاد ، قالوا : ولأنه عقد منفعة ، فصح تقديره بمدة كالإجارة ، ولأنه قد ثبت إباحتها بالإجماع فلم ينتقل عنه إلى التحريم إلا بالإجماع .

[ ص: 329 ] ودليلنا : قولي الله تعالى : والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين [ المؤمنون : 5 ، 6 ] وليست هذه زوجته ، ولا ملك يمين فوجب أن يكون فيها ملوما ، ثم قال : فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون [ المؤمنون : 7 ] . فوجب أن يكون عاديا .

ويدل عليه من السنة مع الحديث الذي رواه الشافعي في صدر الباب ، ما رواه أبو ضمرة ، عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز ، عن الربيع بن سبرة ، عن أبيه قال : قدمت مكة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع فقال : " استمتعوا من هؤلاء النساء " ، والاستمتاع يومئذ عندنا النكاح ، فكلم النساء من كلمهن فقلن لا ينكح الأنبياء ، ونبيكم أجل . فذكرنا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : اضربوا بينكم وبينهن أجلا ، فخرجت أنا وابن عم لي عليه برد ، وعلي برد ، وبرده أجود من بردي ، وأنا أشب منه فأتينا امرأة فأعجبها برده وأعجبها شبابي ، فقالت : برد كبرد فكان الأجل بيني وبينها عشرا ، فبت عندها تلك الليلة ، ثم غدوت ، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المقام والركن يخطب الناس ، فقال : " يا أيها الناس قد كنت أذنت لكم في الاستمتاع من هؤلاء النساء ، وإن الله قد حرم ذلك وهو حرام إلى يوم القيامة ، فمن كان عنده منهن شيء ، فليخل سبيلها ، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا " .

وروى ابن أبي لهيعة ، عن موسى بن أيوب ، عن إياس بن عامر ، عن علي بن أبي طالب قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المتعة ، وقال : إنما كانت لمن لم يجد ، فلما أنزل النكاح والطلاق والعدة والميراث بين الزوج والمرأة نسخت .

وروى عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أباح المتعة ثلاثا ثم حرمها .

وروى نافع عن ابن عمر ، قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية ، وعن متعة النساء وما كنا مسافحين .

وروى عكرمة بن عمار ، عن سعيد ، عن أبي هريرة ، قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك ، فنزلنا عند ثنية الوداع ، فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم مصابيح ونساء يبكين ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : حرم المتعة النكاح والطلاق والعدة والميراث .

[ ص: 330 ] وحكي أن يحيى بن أكثم دخل على المأمون ، فقال : يا أمير المؤمنين أحللت المتعة ، وقد حرمها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال المأمون : يا يحيى إن تحريم المتعة حديث رواه الربيع بن سبرة أعرابي يبول على عقبيه ولا أقول به ، فقال يحيى بن أكثم : يا أمير المؤمنين هاهنا حديث آخر . فقال : هاته يا يحيى ، فقال : حدثنا القعنبي ، فقال المأمون : لا بأس به عن من : قال يحيى : عن مالك ، فقال المأمون : كان أبي يبجله ، هيا ، فقال يحيى : عن الزهري ، فقال المأمون : كان ثقة في حديثه ، ولكن كان يعمل لبني أمية هيا ، فقال يحيى : عن عبد الله والحسن ابني محمد بن علي ابن الحنفية ، قال : ففكر المأمون ساعة ، ثم قال : كان أحدهما يقول بالوعيد ، والآخر بالإرجاء ، ( هيا ) قال يحيى : عن أبيهما محمد بن علي ، قال : هيا ، قال يحيى : عن علي بن أبي طالب ، قال : هيا ، قال يحيى : أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عام خيبر عن المتعة ، وعن أكل لحوم الحمر الأهلية ، فقال المأمون : يا غلام اركب ، فناد أن المتعة حرام .

فإن قيل : فهذه الأحاديث مضطربة يخالف بعضها بعضا ، لأنه روي في بعضهما أنه حرمها عام خيبر ، وروي في بعضها أنه حرمها عام الفتح بمكة ، وروي في بعضها عنه حرمها في غزوة تبوك ، وروي في بعضها أنه حرمها في حجة الوداع ، وبين كل وقت ووقت زمان ممتد ، ففيه جوابان :

أحدهما : أنه تحريم كرره في مواضع ليكون أظهر وأنشر حتى يعلمه من لم يكن قد علمه : لأنه قد يحضر في بعض المواضع من لم يحضر معه في غيره ، فكان ذلك أبلغ في التحريم وأوكد .

والجواب الثاني : أنها كانت حلالا ، فحرمت عام خيبر ، ثم أباحها بعد ذلك : لمصلحة علمها ، ثم حرمها في حجة الوداع ، ولذلك قال فيها : " وهي حرام إلى يوم القيامة " ، تنبيها على أن ما كان من التحريم المتقدم موقت تعقبته إباحة ، وهذا تحريم مؤبد لا تتعقبه إباحة ، ولأنه إجماع الصحابة ، روي ذلك عن أبي بكر ، وعمر ، وعلي ، وابن مسعود ، وابن عمر ، وابن الزبير ، وأبي هريرة .

قال ابن عمر : لا أعلمه إلا السفاح نفسه .

وقال ابن الزبير : المتعة هي الزنا الصريح .

فإن قيل : فقد خالفهم ابن عباس ، ومع خلافه لا يكون الإجماع ، قيل : قد رجع ابن عباس عن إباحتها ، وأظهر تحريمها ، وناظره عبد الله بن الزبير عليها مناظرة مشهورة ، وقال له عروة بن الزبير : أهلكت نفسك ، قال : وما هو يا عروة ، قال : تفتي بإباحة المتعة ، وكان أبو بكر وعمر ينهيان عنها ، فقال : عجبت منك ، أخبرك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتخبرني عن أبي بكر وعمر ، فقال له عروة : إنهما أعلم بالسنة منك فسكت .

[ ص: 331 ] وروى المنهال بن عمرو ، عن سعيد بن جبير : أن رجلا أتى ابن عباس ، فقال : هل لك فيما صنعت نفسك في المتعة حتى صارت به الركاب ، وقال الشاعر :


أقول للشيخ لما طال مجلسه يا صاح هل لك في فتيا ابن عباس     يا صاح هل لك في بيضاء بهكنة
تكون مثواك حتى يصدر الناس

فقال ابن عباس ما إلى هذا ذهبت ، وقام يوم عرفة ، فقال : يا أيها الناس ، إنها والله لا تحل لكم إلا ما تحل لكم الميتة والدم ولحم الخنزير ، يعني إذا اضطررتم إليها ، ثم رجع عنها فصار الإجماع برجوعه منعقدا والخلاف به مرتفعا ، وانعقاد الإجماع بعد ظهور الخلاف أوكد : لأنه يدل على حجة قاطعة ودليل قاهر .

ومن القياس : أنه حل عقد جاز مطلقا ، فبطل مؤقتا كالبيع طردا والإجارة عكسا ، ولأن للنكاح أحكاما تتعلق بصحتها ، وينتفي عن فاسدها ، وهي الطلاق والظهار ، والعدة والميراث ، فلما انتفت عن المتعة هذه الأحكام دل على فساده كسائر المناكح الفاسدة .

فأما الجواب عن قوله تعالى : فانكحوا ما طاب لكم من النساء [ النساء : 3 ] فهو أن المتعة غير داخلة في النكاح : لأن اسم النكاح ينطلق على ما اختص بالدوام : لذلك قيل : قد استنكحه المدى لمن دام به ، فلم يدخل فيه المتعة المؤقتة ، ولو جاز أن يكون عاما لخص بما ذكرنا .

وأما الجواب عن قوله تعالى : فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن [ النساء : 24 ] فمن وجهين :

أحدهما : أن عليا وابن مسعود رويا أنها نسخت بالطلاق والعدة والميراث .

والثاني : أنها محمولة على الاستمتاع بهن في النكاح ، وقول ابن مسعود إلى أجل مسمى يعني به المهر دون العقد .

وأما حديث سلمة بن الأكوع ، فالإباحة فيه منسوخة بما رويناه من التحريم الوارد بعده .

وأما تفرد عمر بالنهي عنها فما تفرد به ، وقد وافقه عليه الصحابة ، وإنما كان إماما فاختص بالإعلان والتأديب ، ولم يكن بالذي يقدم على تحريم بغير دليل ، ولكانوا قد أقدموا عليه يمسكون عنه ، ألا تراه يقول على المنبر :لا تغالوا في صدقات النساء ، فلو كانت تكرمة لكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أولاكم بها ، فقالت امرأة : أعطانا الله ويمنعنا ابن الخطاب ، فقال عمر : وأين أعطاكن ؟ فقالت : بقوله : وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا [ النساء : 20 ] فقال عمر : كل الناس أفقه من عمر حتى امرأة .

[ ص: 332 ] وروي أن عمر قال يوما على المنبر : أيها الناس استمعوا ، فقال سلمان : لا نسمع ، فقال عمر : ولم ذاك ؟ فقال سلمان : لأن الثياب لما قدمت من العراق ، وفرقتها علينا ثوبا وأخذت ثوبين لنفسك ، فقال عمر : أما هذا فثوبي ، وأما الآخر فاستعرته من ابني ، ثم دعا ابنه عبد الله ، وقال : أين ثوبك ؟ فقال : هو عليك ، فقال سلمان : قل الآن ما شئت يا أمير المؤمنين ، فكيف يجوز مع اعتراضهم عليه في مثل هذه الأمور أن يمسكوا عنه في تحريم ما قد أحله رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلا ينكرونه لولا اعترافهم بصحته ووفاقهم على تحريمه فإن قيل : فقد روي عن جابر بن عبد الله ، وسلمة بن الأكوع ، أنهما قالا : سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يحل المتعة ، وسمعنا عمر ينهى عنها ، فتبعنا عمر ، قيل معناه : تبعنا عمر ، فيما رواه من التحريم : لأنه روى لهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أباح المتعة ثلاثا ثم حرمها ، فكيف يجوز لولا ما ذكرنا أن يضاف إلى جابر وأبي سلمة أنهما خالفا رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبعا عمر ، ولو تبعاه لما تبعه غيرهما من الصحابة .

وأما قياسهم على الإجارة فالمعنى فيهما : أنها لا تصح مؤبدة ، فصحت مؤقتة ، والنكاح لما صح مؤبدا لم يصح موقتا .

وأما الجواب عن استدلالهما بأنه قد ثبت إباحتها بالإجماع ، فلم يعدل إلى تحريمها إلا بالإجماع فمن وجهين :

أحدهما : أنه ما ثبت به إباحتها هو الذي ثبت به تحريمها ، فإن كان دليلا في الإباحة وجب أن يكون دليلا في التحريم .

والثاني : أن الإباحة الثابتة بالإجماع هي إباحة مؤقتة تعقبها نسخ ، وهم يدعون إباحة مؤبدة لم يتعقبها نسخ ، فلم يكن فيما قالوه إجماع .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث