الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 335 ] باب نكاح المحرم

قال الشافعي ، رحمه الله تعالى : أخبرنا مالك عن نافع عن نبيه بن وهب عن أبان بن عثمان عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا ينكح المحرم ولا ينكح ، وقال بعض الناس روينا أن النبي صلى الله عليه وسلم نكح ميمونة رضي الله عنها ، وهو محرم ، قلت رواية عثمان ثابتة ، ويزيد بن الأصم ابن أختها ، وسليمان بن يسار عتيقها أو ابن عتيقها ، يقولان : نكحها وهو حلال ، وثالث وهو سعيد بن المسيب ، وينفرد عليك حديث عثمان الثابت ، وقلت : أليس أعطيتني أنه إذا اختلفت الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم نظرت فيما فعل أصحابه من بعده فأخذت به ، وتركت الذي يخالفه ؟ قال : بلى ، قلت : فعمر بن الخطاب ويزيد بن ثابت يردان نكاح المحرم ، وقال ابن عمر : لا ينكح المحرم ولا ينكح ، ولا أعلم لهما مخالفا ، فلم لا قلت به ؟ ( قال الشافعي ) فإن كان المحرم حاجا ، فحتى يرمي ويحلق ويطوف بالبيت يوم النحر أو بعده ، وإن كان معتمرا فحتى يطوف بالبيت ويسعى ويحلق ، فإن نكح قبل ذلك فمفسوخ والرجعة والشهادة على النكاح ليسا بنكاح " .

قال الماوردي : قد مضى في كتاب الحج أن نكاح المحرم لا يجوز ، ودللنا عليه وذكرنا من خالفنا فيه ، ونحن الآن نشير إليه ، متى عقد النكاح والزوج أو الزوجة أو الولي محرم ، فالنكاح باطل .

وقال مالك : صحيح ، ويفسخ بطلقة .

وقال أبو حنيفة : نكاحه جائز ، ولا يلزم فسخه : استدلالا برواية عكرمة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم نكح ميمونة وهو محرم . وبرواية ابن أبي مليكة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج وهو محرم ، ولأنه عقد يستباح به البضع ، فلم يمنع الإحرام منه كالرجعة وشراء الإماء .

ودليلنا : رواية عثمان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا ينكح المحرم ولا ينكح . وروى أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : لا يخطب المحرم ولا يتزوج . وروى مطر عن الحسن أن عليا - رضي الله تعالى عنه - قال : من تزوج وهو محرم نزعنا منه امرأته ، ولم يجز نكاحه .

[ ص: 336 ] وروى أبو غطفان عن أبيه أن عمر - رضي الله تعالى عنه - فرق بين محرمين تزوجا .

وروى قدامة بن موسى ، عن شوذب مولى زيد بن ثابت أنه تزوج وهو محرم ، ففرق زيد بن ثابت بينهما ، فلما روي عنهم التفرقة بين الزوجين ، ولا يسوغ ذلك في عقد يسوغ فيه الاجتهاد ، دل على أن النص فيه ثابت لا يجوز خلافه ، ولأنه معنى ثابت به تحريم المصاهرة فوجب أن يمنع منه الإحرام كالوطء .

فأما الجواب عن حديث ميمونة ، فقد روى ميمون بن مهران ، عن يزيد بن الأصم ، عن ميمونة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها وهما حلالان .

وروى ربيعة عن سليمان بن يسار ، عن أبي رافع أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة حلالا ، وبنى بها حلالا ، وكنت أنا الرسول بينهما .

وأما حديث ابن أبي مليكة عن عائشة ، فضعيف لا أصل له عند أصحاب الحديث ، وإن صح فيجوز أن يكون فعل ذلك في أول الإسلام قبل تحريم نكاح المحرم ، على أن أبا الطيب ابن سلمة جعل النبي صلى الله عليه وسلم مخصوصا بالنكاح في الإحرام .

وأما القياس على شراء الإماء ، فليس المقصود منه الاستمتاع ، لجواز شراء المعتدة وذات المحرم ، وكذلك المحرمة ، والمقصود من عقد النكاح الاستمتاع ، إذ لا يجوز أن ينكح معتدة ولا ذات محرم وكذلك المحرمة . فأما الرجعة فتحل للمحرم : لأنها سد ثلم في العقد ورفع تحريم طرأ عليه ، وليست عقدا مبتدأ ، فجازت في الإحرام ، ألا ترى أن العبد يراجع بغير إذن سيده ، وإن لم يجز أن ينكح بغير إذنه ، اعتبارا بهذا المعنى .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث