الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 555 ] باب الوليمة والنثر ، من كتاب الطلاق إملاء على مسائل مالك

قال الشافعي ، رحمه الله : " الوليمة التي تعرف : وليمة العرس ، وكل دعوة على إملاك أو نفاس أو ختان أو حادث سرور ، فدعي إليها رجل ، فاسم الوليمة يقع عليها ، ولا أرخص في تركها ، ومن تركها لم يبن لي أنه عاص ، كما يبين لي في وليمة العرس ؛ لأني لا أعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك الوليمة على عرس ، ولا أعلمه أولم على غيره ، وأولم على صفية رضي الله عنها في سفر بسويق وتمر ، وقال لعبد الرحمن أولم ولو بشاة .

قال الماوردي : وأما الوليمة ، فهي إصلاح الطعام واستدعاء الناس لأجله ، والولائم ست :

وليمة العرس : وهي الوليمة على اجتماع الزوجين .

ووليمة الخرس : وهي الوليمة على ولادة الولد .

ووليمة الإعذار : وهي الوليمة على الختان .

ووليمة الوكيرة : وهي الوليمة على بناء الدار . قال الشاعر :


كل الطعام تشتهي ربيعة الخرس والإعذار والوكيره

ووليمة النقيعة : وهي وليمة القادم من سفره ، وربما سموا الناقة التي تنحر للقادم نقيعة ، قال الشاعر :


إنا لنضرب بالسيوف رءوسهم     ضرب القدار نقيعة القدام

[ ص: 556 ] ووليمة المأدبة : هي الوليمة لغير سبب .

فإن خص بالوليمة جميع الناس سميت جفلى ، وإن خص بها بعض الناس ، سميت نقرى ، قال الشاعر :


نحن في المشتاة ندعو الجفلى     لا ترى الآدب فينا ينتقر

فهذه الستة ينطلق اسم الولائم عليها ، وإطلاق اسم الوليمة يختص بوليمة العرس ، ويتناول غيرها من الولائم بقرينة ؛ لأن اسم الوليمة مشتق من الولم ، وهو الاجتماع ؛ ولذلك سمي القيد الولم ؛ لأنه يجمع الرجلين ، فتناولت وليمة العرس ؛ لاجتماع الزوجين فيها ، ثم أطلقت على غيرها من الولائم تشبيها بها ، فإذا أطلقت الوليمة تناولت وليمة العرس ، فإن أريد غيرها ، قيل : وليمة الخرس ، أو وليمة الإعذار ، وقد أفصح الشافعي بهذا ، ثم لا اختلاف بين الفقهاء أن وليمة غير العرس لا تجب .

فأما وليمة العرس فقد علق الشافعي الكلام في وجوبها ؛ لأنه قال : " ومن تركها لم يبن لي أنه عاص ، كما يبين لي في وليمة العرس " .

فاختلف أصحابنا في وجوبها على وجهين ، ومنهم من خرجه على قولين :

أحدهما : أنها واجبة ؛ لما روي : أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى على عبد الرحمن بن عوف أثر الخلوق ، فقال له : مهيم - أي ما الخبر - ؟ قال : أعرست ، فقال له : أولمت ؟ قال : لا ، قال : أولم ولو بشاة . وهذا أمر يدل على الوجوب ، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم ما أنكح قط إلا أولم في ضيق أو سعة ، وأولم على صفية في سفره بسويق وتمر ، ولأن في الوليمة إعلان للنكاح ؛ فرقا بينه وبين السفاح ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : أعلنوا النكاح واضربوا عليه بالدف ، ولأنه لما كانت إجابة الداعي إليها واجبة ، دل على أن فعل الوليمة واجب ؛ لأن وجوب المسبب دليل على وجوب السبب ، ألا ترى أن وجوب قبول الإنذار دليل على وجوب الإنذار .

والثاني - وهو الأصح - : أنها غير واجبة ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم ليس في المال حق سوى الزكاة ؛ ولأنه طعام لحادث سرور ، فأشبه سائر الولائم .

ولأن سبب هذه الوليمة عقد النكاح وهو غير واجب ، ففرعه أولى أن يكون غير واجب .

ولأنها لو وجبت لتقدرت كالزكاة والكفارات ؛ ولكان لها بدل عند الإعسار ، كما يعدل المكفر في إعساره إلى الصيام ، فدل على عدم تقديرها وبدلها على سقوط وجوبها .

[ ص: 557 ] ولأنها لو وجبت لكان مأخوذا بفعلها حيا ، ومأخوذة من تركته ميتا كسائر الحقوق ، وكان بعض أصحابنا يتوسط في وجوبها مذهبا معلولا ، ويقول هي من فروض الكفايات إذا أظهرها الواجد في عشيرته أو قبيلته ظهورا منتشرا سقط فرضها عمن سواه ، وإلا خرجوا بتركها أجمعين ، وهذا فاسد من ثلاثة أوجه :

أحدها : أن ما وجب من حقوق النكاح ، تعين كالولي والشاهدين .

والثاني : أن ما تعلق بحقوق الأموال الخاصة ، عم وجوبه كالزكوات ، أو عم استحبابه كالصدقات .

والثالث : أن فروض الكفاية مختص بما عم سنته كالجهاد ، أو ما تساوى فيه الناس كغسل الموتى ، وهذا خاص معين فلم يكن له في فروض الكفاية مدخل .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث