الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة لا يجامع المرأة في غير يومها ولا يدخل في الليل على التي لم يقسم لها

مسألة : قال الشافعي : " ولا يجامع المرأة في غير يومها ولا يدخل في الليل على التي لم يقسم لها ، ( قال ) : ولا بأس أن يدخل عليها بالنهار في حاجة ، ويعودها في مرضها في ليلة غيرها ، فإذا ثقلت فلا بأس أن يقيم عندها حتى تخف أو تموت ، ثم يوفي من بقي من نسائه مثل ما أقام عندها " .

قال الماوردي : قد ذكرنا أن عماد القسم الليل دون النهار ، لكن النهار داخل في القسم تبعا لليل ، والأولى أن يكون أول زمان القسم الليل لسعة اليوم الذي بعده ؛ لأن اليوم تبع لما تقدمه من الليل دون ما تأخر ، ولذلك كان أول الشهر دخول الليل ، فإن جعل أول زمان القسم النهار مع الليلة التي بعده جاز ، ويصير مقدما للتابع على المتبوع ، فإذا قسم لها يوما وليلة ، فعليه أن يقسم عندها ليلا لا يخرج فيه إلا من ضرورة ، ويجوز له الخروج نهارا ؛ للتصرف في أشغاله ، فإذا أراد أن يدخل على غيرها من نسائه ، فإن كان في النهار جاز أن يدخل على من شاء من نسائه دخول غير مستوطن عندها ، ولا مقيم ، بل ليسأل عنها ويتعرف خبرها ، وينظر في مصالحها ، أو مصالح نفسه عندها ، ويجوز له في دخوله عليها أن يقبلها ويمسها من غير وطء ؛ لما روينا من حديث عائشة - رضي الله تعالى عنها - أنها قالت : " قل يوم إلا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل على نسائه ، فيدنو من كل امرأة منهن ، فيقبل ويلمس من غير مسيس ولا مباشرة ، ثم يبيت عند التي هو يومها " ، ولأن المقصود من القسم الليل دون النهار ، فإذا دخل النهار على واحدة لم يفوت على صاحبة القسم حقها منه ، وكان دخوله على غيرها من نسائه كدخوله على غير نسائه ، فأما وطؤه لغيرها في النهار فلا يجوز ؛ لأن الوطء مقصود القسم ، فلم يجز أن يفعله في زمان غيرها .

وقد روى الحسن وقتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على زوجته حفصة في يومها ، فوجدها قد خرجت لزيارة أبيها ، فاستدعى مارية ، فخلا بها ، فلما علمت حفصة عتبت على النبي صلى الله عليه وسلم ، وقالت في بيتي ، وفي يومي يا رسول الله ، فأرضاها بتحريم مارية على نفسه ، وأمرها ألا [ ص: 577 ] تخبر بذلك أحدا من نسائه ، فأخبرت به عائشة - رضي الله تعالى عنها - لمصافاة كانت بينهما ، فتظاهرتا عليه ، وفي ذلك أنزل الله تعالى : ياأيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك [ التحريم : 1 ] ، فإن أطال المقام عند غيرها في نهار قسمها ، أو وطئ فيه غيرها لم يقض مدة مقامه ، وإن شاء ؛ لأنه أحق بالنهار منها ؛ لأنه زمان التصرف دون الإيواء ، فلم يقضه .

فأما الليل : فليس له أن يخرج من عندها فيه إلا من ضرورة ، سواء أراد الخروج إلى زوجته أو غير زوجته ؛ لأنه مقصود القسم ، فلم يجز أن يفوته عليها ، فإن دعته ضرورة إلى الخروج من عندها ليلا فخرج ، لم يأثم ، ونظر في مدة الخروج ؛ فإن كان يسيرا لا يقضي مثله كان عفوا ، وإن كان كثيرا يقضي مثله ، كأن خرج نصف الليل أو ثلثه قضاها زمان خروجه ليوفيها حقها من القسم ، ثم ينظر في مدة الخروج الذي يلزمه قضاؤه ، فإن كان لضرورة عرضت له عند غير زوجة قضاها ذلك الزمان لا من زمان واحدة من نسائه ، وإن كان قد خرج فيه إلى غيرها من نسائه لمرض خاف عليها منه فإن ماتت سقط قسمها ، وقضى صاحبة القسم ما فوته عليها من ليلتها ، وإن لم تمت قضى صاحبة القسم من ليلة المريضة ما فوته عليها من ليلتها ، فأما ما نقله المزني عن الشافعي : ويعودها في مرضها ليلة غيرها ، فقد كان أبو حامد الإسفراييني ينسب المزني إلى الخطأ في هذا النقل ، ويقول : إن الشافعي إنما قال : ويعودها في مرضها في نهار غيرها ، وهذا الاعتراض فاسد ، ونقل المزني صحيح ، ويجوز له أن يعودها في ليلة غيرها إذا كان مرضها مخوفا ؛ لأنه ربما تعجل موتها قبل النهار ، ففاته حضورها ، وهو المراد بما نقله المزني ، فأما إن كان مرضها مأمونا لم يكن له عيادتها في الليل حتى يصبح ، فيعودها نهارا ، وإنما قضاء زمان الخروج وإن كان فيه معذورا ؛ لأن حقوق الآدميين لا تسقط بالأعذار ، فلو خرج في ليلتها إلى غيرها فوطئها ثم عاد إليها في الحال ، فقد اختلف أصحابنا فيه على ثلاثة أوجه :

أحدها : لا يلزمه قضاؤه ؛ لقصوره عن زمان القضاء .

والوجه الثاني : يلزمه قضاء ليلة بكمالها ؛ لأن مقصود القسم في الليل هو الوطء فإذا وطئ فيه غيرها ، فكأنه فوت عليها جميع الليلة ، فلذلك لزمه قضاء جميعها من ليلة الموطوءة .

والوجه الثالث : أن عليه في ليلة الموطوءة أن يخرج من عندها إلى هذه ، فيطأها ، ثم يعود إلى تلك ليسوي بينهما في فعله ، وهذا في القضاء صحيح وفي الوطء فاسد ؛ لاستحقاق الزمان دون الوطء ، والله أعلم .

[ ص: 578 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث